«إسرائيل في حالة من الجنون» جولة في أروقة السياسة المتوترة

«إسرائيل في حالة من الجنون» جولة في أروقة السياسة المتوترة

Published On 5/12/20255/12/2025

|

آخر تحديث: 15:32 (توقيت مكة)آخر تحديث: 15:32 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

في فجر 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقع ما لم يكن في حسبان جيش الاحتلال الإسرائيلي، لم تكن طريقه إلى بلدة بيت جن آمنة، بل واجه صعوبات في كل الاتجاهات، حيث لم يكن يتوقع ما حدث، وكانت غطرسته وعنجهيته سببًا في وقوعه في هذا الفخ، واعتمد على تفوقه الجوي لتحصين قواته الغازية، لكنه لم يستطع سحب آلياته المعطلة، فقرر تدميرها بدلاً من ذلك.

إن الاحتلال يستدعي المقاومة، حيثما وُجد، وطالما استمر في اعتداءاته على أراضي الآخرين، فهو قانون الشعوب، الذي يوازي قوانين الطبيعة، ولأن الاحتلال فعل عدواني لا يستأذن أحدًا، فإن المقاومة هي الرد الطبيعي الذي لا ينتظر إذنًا، وهي حق مكفول بموجب مختلف الشرائع السماوية والوضعية، لا تنتظر قرارًا “من فوق”، ولا تراعي موازنات القوى “من تحت”.

الشعب السوري في بيت جن، دافع عن أرضه وكرامته، وواجه اعتداء الاحتلال، مطالبًا بحقه في العيش بأمان وحرية وكرامة، فوق تراب وطنه، لم يكن فعلًا مخططًا من الخارج، بل هو تعبير عفوي عن رفضهم للذل والاستعباد، وهذه هي سوريا التي نعرفها منذ بداية القرن الماضي، زمن التصدي للاحتلالات الاستعمارية المتعاقبة.

الخسارة الإسرائيلية لا تقتصر على الجنود والضباط الستة الذين أصيبوا، بل تتجاوز ذلك بكثير، حيث أعادت أحداث بيت جن تصحيح البوصلة السورية، وكانت بمثابة تذكير للشعب السوري، بأن عدوهم الحقيقي هو الاحتلال الإسرائيلي، أما باقي الأطراف الذين تم إدراجهم لأسباب سياسية ومذهبية، فهم خصوم يمكن التفاهم معهم، بينما الاحتلال يبقى تهديدًا لمستقبلهم ووحدة كيانهم.

إن العدوان على بيت جن، ومقاومة أهلها، أعاد تنشيط الهوية الوطنية السورية، وتمثل ذلك في الهتافات ضد العدوان، وأصوات التضامن مع أهل الجنوب السوري، التي انطلقت في مختلف المحافظات.

إسرائيل لم تكن ترمي لهذا، وهي صاحبة المشروع التقسيمي لسوريا، ومؤسسة نظرية “حلف الأقليات”، الذي يهدف لتفتيت البلاد والسيادة.

قدمت الفعلة الإسرائيلية في بيت جن خدمة جليلة لكل سوري حر، هاله ما تمر به البلاد من تفكك وهويات قاتلة، تحت غطاء الفدراليات المذهبية. أصحاب هذه الدعوات تلقوا صفعة قوية، وفُضح رهانهم على العدو الذي يرتكب جرائم ضد الإنسانية، وممارسته حرب التطهير والتمييز العنصري. لقد ضربت إسرائيل بسيفها المسموم في جسد سوريا، وليس هذا هو الفعل الأول، ولن يكون الأخير.

إن الحقيقة التي ستتعلمها إسرائيل بالطريقة الصعبة، أن الاحتلال يثير المقاومة، وأن القوة تستدعي القوة، بينما الضعيف اليوم لن يستمر ضعيفًا إلى الأبد، وستدرك إسرائيل أن مناطق جنوب سوريا لن تؤدي إلى الأمان والاستقرار، بل قد تتحول إلى ساحات مواجهة ومقاومة.

رأينا كيف تفاعل المواطنون السوريون مع الدفاع عن هويتهم الوطنية، واتخذوا موقفًا ضد الاحتلال، مؤكدين على أن بلادهم لن تكون سهلة المنال لمطامع الاحتلال. تحركت الأولويات الوطنية حتى وسط الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، إلا أن قوى التقسيم والانقسام لا تزال تتمسك بهوائها، وتسعى للحصول على دعم من العدو الإسرائيلي، متجاهلة العواقب.

غطرسة القوة وعماها

لم تتعلم إسرائيل من دروس “الأحزمة الأمنية” و”الأشرطة الحدودية” التي استخدمتها في لبنان، فهي تتجاهل النتيجة، ففي حال عدم وجود الدعم المحلي، لن تنجح مثل هذه الخطط في تحقيق أهدافها، كما حدث في مايو/أيار 2000، عندما واجهت المقاومة اللبنانية الاحتلال بلا قيد أو شرط. في ذروة غطرستها، تسعى إسرائيل لتكرار تجربة الشريط الحدودي في لبنان وسوريا، لتتحكم في المنطقة، متجاهلة أن القوة لا تدوم طويلاً، وأن الجوانب الأخرى ستظل قائمة.

الحقيقة التي يجب أن تدركها إسرائيل هي أن الضغط لن يؤدي إلى الاستقرار، بل قد يجلب لها القلاقل، وأن مفهوم الهيمنة لن يدوم طويلاً، فالأيام تدور بين الشعوب. وستجني إسرائيل عواقب إضعاف المركز السوري، حيث إن الأطراف لن يكون لديها القدرة على الصمود بذاتها، وستجد نفسها محاطة بمقاومين.

لا أتوقع أن حكومة نتنياهو ستفكر بعقل بارد في مثل هذه الظروف، بل ستتبع سياسة القوة المفرطة، مما سيؤدي إلى مزيد من التفجير والوضع المتدهور، لكن مع مرور الوقت، سيجد الاحتلال نفسه في حلقة مغلقة من الاضطرابات. أما الذين اختاروا الارتماء في أحضان العدو، فليتعلموا من المصائر البائسة لمن سبقوهم، عسى أن يستفيقوا قبل فوات الأوان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *