في تشرين الأول الماضي، وبعد قمة السلام مع التوقيع على خطة الرئيس ترامب ذات العشرين نقطة، أعلنت مصر في تشرين الثاني عن نيتها تنظيم مؤتمر آخر، وأوضحت أنها ستستدعي دولاً ومانحين من كافة أنحاء العالم لإطلاق المرحلة المقبلة في خطة ترامب: مرحلة إعادة إعمار غزة. ومع مرور تشرين الثاني، لم يُعقد المؤتمر بعد، وفي هذا الأسبوع، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، أن مصر بدأت مشاورات مكثفة مع الإدارة الأمريكية لتشكيل “لجنة إعادة الإعمار والتعافي” في هذا الشهر، وتأمل القاهرة أن يترأسها السيسي وترامب. كما هو الحال في لبنان، الذي بدأت فيه محادثات حول تعاون اقتصادي يستهدف إعادة إعمار الجنوب بعملية “بانية للأمن” تبعد حزب الله، فإن بداية إعادة إعمار قطاع غزة تعد خطوة ضرورية لإثبات جدوى خطة ترامب وإمكانية تطبيق جميع مراحلها، بما في ذلك تحييد حماس ومنعها من السيطرة على غزة. تعتبر مصر رائدة في تنظيم مؤتمرات إعادة الإعمار في غزة، إذ دعت في عام 2009 إلى مؤتمر إثر عملية “الرصاص المصبوب”، ولكنه كان مخيباً للآمال حيث تعهدت الدول المانحة بمبلغ 1.3 مليار دولار فقط. وبعد خمس سنوات، في عام 2014، عقب عملية “الجرف الصامد”، ارتفعت الالتزامات إلى حوالي 5.4 مليار دولار، لكن نصف هذا المبلغ فقط وصل إلى مستحقاته. مرّت سبع سنوات، وجاءت فترة ما بعد عملية “حارس الأسوار”، وفي تلك الفترة، لم تنظم القاهرة مؤتمراً للمانحين، لكنها قررت تحمل بعض الأعباء بنفسها، حيث استثمرت حوالي نصف مليار دولار في إعادة تأهيل البنية التحتية في القطاع، خاصة الطرق وإنارة الشوارع. في نظر مصر، تعتبر إعادة تأهيل القطاع جزءاً لا يتجزأ من نظرية أمنها القومي، التي تستشعر أنها مهددة جراء تدفق مئات آلاف الغزيين إلى حدودها.
القلق المصري من القرارات الإسرائيلية
تعكس مشاعر الغضب لدى مصر من القرار الأحادي الذي اتخذته إسرائيل بفتح معبر رفح هذا الأسبوع في اتجاه واحد، لتسهيل نقل المرضى والجرحى، الخوف الذي لا يزال قائماً. إضافة إلى ذلك، تلعب مصر دوراً محورياً كوسيط في صفقات احتجاز الرهائن، وتعتمد على خريطة طريق استراتيجية تعكس تأثيراً مركزياً لها، ليس فقط على جهود إعادة الإعمار التي ستحضر عشرات الشركات المصرية إلى غزة، ولكن بشكل رئيسي على تشكيل الهيكل السياسي الذي سيحكم القطاع. قد تكون السعودية والإمارات وقطر هي الممول الرئيسي لجهود إعادة الإعمار، لكن القاهرة تتوقع تحويل غزة إلى محمية مصرية دون تحمل مسؤولية إدارتها مباشرةً. مثلاً، لا تتحدث عن إرسال جنودها في القوة متعددة الجنسيات التي ستنشأ في المستقبل، بل عن تدريب وتثقيف ضباط الشرطة الفلسطينية، كما أن “الخطة المصرية” التي قدمتها في آذار الماضي تركز على إعادة الإعمار كحل يحافظ على بقاء سكان غزة في أماكنهم.
العلاقات المعقدة مع واشنطن
مصر، إلى جانب الولايات المتحدة وقطر وتركيا، تعد من الدول الضامنة لتنفيذ وقف إطلاق النار، ولكن يجدر بالذكر أن الرئيس المصري لم يزر البيت الأبيض منذ نيسان 2017، ورفض دعوة لزيارة ترامب في شباط الماضي، معبراً عن ذلك بأنه لن يحدث “ما دامت خطة تهجير سكان غزة مطروحة”. كما لم يُدعَ السيسي لحضور زيارة ترامب للرياض في أيار الماضي. إضافة إلى ذلك، ساهمت إشارات ترامب بشأن “إعادة النظر” في مسألة المساعدات الخارجية الأمريكية، بما في ذلك حجم المساعدات لمصر، في توتر العلاقات بين السيسي وواشنطن، لكن الرئيس المصري يشعر بالارتياح لأن ترامب، بخلاف بايدن، لم يهدد بقطع هذه المساعدات بسبب الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان في مصر.
التوتر الإقليمي والمنافع الاقتصادية
رغم أن سياسة السيسي لا تتماشى مع سياسة ترامب تجاه سوريا، إلا أنها تثير غضب حلفائه الإقليميين، بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر وتركيا. هذه الدول وفرت الدعم لنظام الشرع، لكنها أيضاً تعتبر درعاً اقتصادياً أساسياً لمصر، مع استثمارات تتجاوز مليارات الدولارات، مثل مشروع “رأس الحكمة” السياحي، الذي يقوده أبو ظبي، ومن المتوقع أن يجلب لمصر 35 مليار دولار. بالإضافة إلى ودائع ضخمة من السعودية وقطر التي أنقذت الجنيه المصري. ومع ذلك، تصنف هذه الدول أيضاً ضمن “الدول المشتبه فيها” التي قد تضر بمكانة مصر الإقليمية. كما أن تقديرات تركيا بمساعدة مصر لم تُقابل بحماس من القاهرة، خشيةً من التأثير على نفوذها في القطاع.
التحديات المتعلقة بإعادة الإعمار
بينما تتطلع قطر إلى تطوير مشروع سياحي ضخم بمبلغ 30 مليار دولار على الساحل، تراقب القاهرة بحذر مشاركتها في برنامج إعادة إعمار غزة. لكن في هذه الأثناء، يبدو أن الخطة بأكملها غير مضمونة، ففي غياب قوة متعددة الجنسيات، ستظل ميزانية إعادة الإعمار مجرد مفهوم نظري، حيث لا يزال هيكل الإدارة المدنية الفلسطينية في انتظار التشفير، وكذلك تشكيل “مجلس السلام”.
الوضع الحالي في غزة
حاليًا، يتوزع حوالي مليوني مواطن بين غرب القطاع الذي تسيطر عليه حماس وفصائل أخرى، وشرق القطاع الذي تسيطر عليه إسرائيل، وفي رفح، التي يُفترض أن تكون أول مدينة بديلة آمنة، تدور رحى الحرب، و”الخط الأصفر” أصبح ساحة قتل. هناك أوساط في مصر تحاول إقناع العامة بأن الوضع الراهن هو “وضع مؤقت ضروري للنظام”، وأن “الكثير من النشاط يجري خلف الكواليس لإتمام الخطة”، وفقاً لمصدر غير حكومي مقرب من المشهد السياسي. ومع ذلك، هو، مثل وزير الخارجية المصري، لا يملك إجابات واضحة عن تساؤلات محددة، مثل الدول المشاركة في المؤتمر، أو حجم الأموال المتوقعة، أو أولويات المشاريع. لكنه يؤكد أن “كل شيء تحت المناقشة، وسيتم بالتنسيق مع صانعي القرار”. في الواقع، “صانعو القرار” هم فعلياً جهة واحدة، وهي الرئيس ترامب، وبالتالي فإن اعتبارات وخطط مصر ليست بالضرورة في مقدمة أولويات القرار.
تسفي برئيله، هآرتس 5/12/2025
