«استكشفوا عالم الكَدِيسَة: حكايات النيلين تتجلى»

«استكشفوا عالم الكَدِيسَة: حكايات النيلين تتجلى»

الكديسة هو اسم الهرة في اللهجة العامية السودانية، بينما يطلق على الذكر اسم كَدِيس، وقد يكون أصل الكلمة نوبيًا أو تركيًا، وقد أشار الجاحظ في كتابه “الحيوان” إلى لفظ السِنّور، موضحًا أن من صفات السنانير أنها طيبة الفم، كما أنها تتمتع بمشاعر المحبة والألفة بشكل لا يضاهي الكلاب أو الحمام أو الدجاج، ومن الصفات الأخرى أن الحيات تخاف منها، وأن الفيل يفزع منها فزعًا شديدًا، مع العلم أن جيفة السنّور تكون منتنة، كما ورد في “كتاب الحيوان”، حيث ذكر أن أحدهم رُجم بالسنانير الميتة بعد وفاة القصبي، لقد قرأت مؤخرًا عن “تكتيك القطة الميتة” في الإعلام السياسي والعسكري، حيث تُستخدم أخبار صادمة أو مثيرة للجدل عمدًا لصرف الانتباه عن قضايا أخرى أهم، وقد صاغ هذا التكتيك لينتون كروسبي، بحيث يتم إلقاء “قطة ميتة” على مائدة الطعام أثناء تناول الناس الطعام، مما يجبر الجميع على الانصراف عن الأكل والتركيز على هذا المشهد بدلاً من المشاكل الأساسية، ألا ترون كيف أن غرف صناعة الشائعات في الأوقات الراهنة تطلق أخباراً صادمة لصرف الأنظار عن انتصارات جيشنا وانكسارات التمرد؟! يسمي (الخوَّاجة) هذا الفعل الدعائي بقطط ميتة، وليس كلاب ميتة، لأنهم يحبون الكلاب كحبنا للكدايس، أو حتى أكثر، أما تفضيل القطط (الكدايس) لدى المسلمين فهو مستمد من الدين، إذ وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بالطوافين والطوافات، وفي صحيح البخاري ورد أن امرأة من السابقين دخلت النار في هرة ربطتها، ولم تطعمها أو تتركها لتأكل من خشاش الأرض، كما أن الجاحظ وصف الهرة بأنها من الكائنات التي تؤثر على نفسها، حيث تُلقى إليها الأشياء الطيبة وهي جائعة، لكنها تمتنع عن الأكل حتى يأتي ولدها، وهذا يظهر رحمة هذا الحيوان، ومن المثير للاهتمام أن اقتراب القطة من شخص بعينه يحمل رسالة روحية عميقة، إذ ليست مجرد (عابر سبيل)، بل هي رسول رحمة، من العجائب التي شاهدتها؛ كنا نصلي في مسجد بمشعر منى خلال أيام الحج مع أستاذي حسن الزين، وكانت قطة تدخل المسجد، وتتخطى الناس وتستقر أمام حسن، تكرر هذا مرات، فسألت البروفيسور حسن لماذا تأتي إليك دون الآخرين، وتتخطى الصفوف، فرد قائلاً مبتسمًا: “أبوي كان عنده تلتاشر كديسة”، أي أن أبي كان لديه ثلاث عشرة قطة! تأملت هذا الأمر، وأعتقد أنه يظهر مظهرًا من الصلاح في هذا الرجل الذي عرفناه بزهده وتوكله، وقد شهدت معه موقفًا أرويه بدون حرج فهو الآن في رحمة الله تعالى، ظلت تفكيري مشغولاً بشأن القطة مع حسن الزين حتى سمعت أحد المتحدثين في فيديو بالأمس يتحدث عن معنى اقتراب القط من إنسان، حيث ذكر أن ذلك إشارة لتوسعة في الرزق، ودليل على صفاء القلب الذي يحمل الرحمة، وأيضاً علامة على التوكل فالقطة تعيش بفطرتها متوكلة على خالقها، واقترابها من شخص ما يذكّر بالتوكل على الله، ولما اتصلت بأستاذي في السودان لأخبره بأن الاختيار قد وقع عليه لأداء الحج مع تغطية تكاليفه وتقديم ورقة علمية، فاجأني بالاعتذار لأن جواز سفره يحتاج للتجديد، والوقت ضيق، إذ لم يتبق سوى أيام قليلة على الحج! لكن الحمد لله، تيسّر الأمر، وفوجئت بوصوله إلى مكة دون إحرام، وعلمت أن السبب هو أنه خرج من السودان دون أن يحمل معه المال لشراء ملابس الإحرام، وهذا دليل على التوكل الذي عرفناه لديه ورجاء ما عند الله تعالى: “قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين”، في اليوم التالي لتلك الحادثة حصل لأستاذنا الزين بسط في الرزق، حتى إنه بادر بشراء هاتف كان يتمنى اقتناءه، إن لنا في قصص التوكل والرحمة عبرة، وأي عبرة في زمن يتجرد فيه بعض بني البشر من كل القيم! في هذا اليوم الذي أكتب فيه، هناك خبر عن مُسيّرات استهدفت روضة أطفال في مدينة كالوقي بجنوب كردفان، مما أسفر عن مقتل العشرات من الأطفال وذويهم بلا رحمة أو إنسانية، ماذا ينزل ببعض الأشخاص ليصلوا إلى هذه الدرجة؟ هل هؤلاء من طينة البشر؟ مشهور عن السودانيين حساسيتهم تجاه قتل الحيوان الأليف، فكيف يمكنهم قتل الأبرياء من النساء والأطفال! تسلمت يوم أمس من أستاذنا البروفيسور الطيب علي أبو سن كتابه “الشعر الشعبي عند الرباطاب”، وتوقفت عند رثاء قطة من أحد الشعراء الرباطاب الحاج عثمان الكليباوي، القطة المسالمة “سانتوت”، التي تعرضت للضرب حتى الموت من قبل أحدهم اسمه عثمان، وقد قال الشاعر: في شان الله يا سانتوت، ولك الحي وراه المؤتمرقت فسحة كايسة القوتيا الضربوكي بالنبّوتعثمان اصلو ما خصاهيضرّب فيها بالعصاحتى هاشم اخيو معهيكشحو بيها بي الواطهعثمان ضربُه مالو قياسبالفرار وفوق الراسخلينا الورر لا باستكتلوا في كدايس الناس؟، والورر هو الورل، والمعنى أن قتل الورل جائز، فهو حيوان غير مستأنس، ولكن قتل الحيوان المسالم مثل القطط يعتبر عيبًا كبيرًا عند القبيلة.

دكتور عثمان أبوزيد

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *