قبل زمن بعيد من ظهور الألعاب الكبيرة المتطورة التي تُعَرّف الأنماط الحديثة، ظهرت عناوين مبكرة رسمت الأسس لأفكار أصبح يُعتَبَرُها اللاعبون اليوم بديهيات. لم تحظَ هذه الألعاب بالشعبية التي تمتعت بها العناوين العملاقة لاحقًا، لكنها قدمت آليات لعب وهياكل تصميمية تطورت بمرور الوقت إلى أنماط كاملة في صناعة الألعاب. بعض هذه العناوين خرجت من مشاريع جامعية، وبعضها كان تجارب غريبة على أجهزة منزلية بدائية، بينما طوّر عدد منها على أيدي فرق صغيرة لم تُدرك تمامًا حجم الأثر الذي ستتركه على مستقبل الألعاب. هذا المقال يسلط الضوء على الألعاب التي قدمت النموذج الأولي لكيف يمكن أن يبدو النمط في المستقبل، وليس على التحف الشهيرة التي قامت لاحقًا بتعزيز تلك الأنماط.
Maze War (1973)
تعتبر هذه اللعبة من أوائل تجارب الألعاب التي تُلعب من منظور الشخص الأول ، حيث قدمت فكرة رؤية العالم من خلال عيني الشخصية قبل سنوات من ظهور مصطلح “FPS”. أدخلت أيضًا مباريات المواجهة بين اللاعبين، مما أثر لاحقًا في أسلوب الحركة وتوزيع الخرائط في ألعاب التصويب. تبدو Maze War وكأنها تجربة من زمن مختلف، وهذا ما منحها أهميتها. وضعت اللاعب في متاهة مرسومة بخطوط متجهة، وعرضت المشهد كما لو أن اللاعب يرى من خلال عيني الشخصية، مما كان تطورًا ملحوظًا في فترة كانت الألعاب فيها تعتمد بشكل شبه كامل على المنظور العلوي أو الخلفي. في Maze War، أصبحت الحركة واتجاه النظر والتصويب المباشر عناصر جوهرية، وأتاحت إمكانية وجود لاعبين آخرين داخل المتاهة والاشتباك معهم، مما وضع البذور الأولى لمفهوم مباريات الـDeathmatch وصياغة ألعاب التصويب التنافسية. لاحقًا، جاءت ألعاب مثل Wolfenstein 3D وDoom لتطوير النموذج، ولكن الأساس كان موجودًا في هذه المتاهة المبكرة. أثبتت Maze War أن منظور الشخص الأول قادر على خلق نوع جديد من الإثارة، مما دفع هذا النوع إلى الوجود.
Donkey Kong (1981)
هذه اللعبة تُعتبر حجر الأساس لألعاب المنصات ، حيث أظهرت كيف يمكن للجري والقفز والتسلق وتوقيت الحركة أن يصبحوا جميعًا جوهر اللعبة. وضعت Donkey Kong الأساس لتصميم المراحل الذي اعتمدت عليه ألعاب المنصات لعقود لاحقة. دخلت اللعبة صالات الألعاب في وقت كان المصممون يبحثون عن شكل لمفهوم “المرحلة” وكيف تبدو الحركة داخلها. حاولت ألعاب أقدم مثل Space Panic تقديم منصات وسلالم، ولكن بدون قفزات. وأتاحت Crazy Climber فرصة صعود المباني وتجنب المخاطر، لكنها لم تقدم أيضًا قفزات ولا بنية مراحل واضحة. بينما لم توفر Apple Panic التوقيت الحاسم لقفزات أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من التجربة. قامت Donkey Kong بتغيير المعادلة من خلال جعل القفز المحور الأساسي للعبة، حيث تتطلب كل منصة قراءة المسافة ومراقبة حركة الأخطار والتفاعل في اللحظة المناسبة. لم تخترع كل عنصر بمفرده، ولكنها جمعتهم بطريقة غير مسبوقة. وبعد ذلك جاءت Super Mario Bros لتحدد الصيغة النهائية لألعاب المنصات، لكن كانت Donkey Kong هي الخطوة الأولى.
Utopia (1981)
هذه اللعبة تعتبر البذور الأولى لألعاب بناء المدن ، حيث قدمت نظام جولات يمكن تحديد عددها ووقتها مسبقًا. أتاحت Utopia للاعبين إدارة جزر صغيرة وبناء منشآت وموازنة الغذاء والسكان والدخل. قد تبدو اللعبة بسيطة للوهلة الأولى، لكنها رسمت الخطوط الأولية لأفكار بناء المدن والاستراتيجيات التي ظهرت لاحقًا في ألعاب مثل SimCity وCivilization. تمنح اللعبة لاعبين اثنين يتولى كل منهما إدارة جزيرته من خلال مزارع ومساكن وقوارب وعدد محدود من الخيارات. قبل بدء المباراة، يختار اللاعبان عدد الجولات (بين 1 و50) وزمن كل جولة (بين 30 و120 ثانية). كانت هناك تجارب أقدم تعتمد على النصوص مثل Hamurabi وThe Sumerian Game، لكن Utopia نقلت هذه الأفكار إلى واجهة بصرية تفاعلية ومتنافسة جعلت من بناء المدن مفهومًا ممتعًا على أجهزة المنازل لأول مرة.
Kung-Fu Master (1984)
تعتبر اللعبة الأساس الحقيقي لنظام الـBeat-’Em-Up ، حيث ركزت على قتال يدوي جانبي يأتي فيه الأعداء من الاتجاهين. وضعت نموذج التقدم عبر موجات من الأعداء الذي اعتمدته ألعاب القتال اللاحقة. قد يظن الكثيرون أن Streets of Rage وFinal Fight هما أول من صاغ هذا النوع، لكن Kung-Fu Master وضعت حجر الأساس. قدمت اللعبة مراحل جانبية يتحرك فيها اللاعب باستمرار بينما تتدفق موجات من الأعداء من الجهتين، وتنتهي كل مرحلة بمواجهة رئيس مميز. كان ذلك تجديدًا عام 1984، بينما كانت ألعاب مثل Karateka تركز على مبارزات فردية دون تقدم مرحلي. جعلت Kung-Fu Master تجربة القتال رحلة كاملة، وكأن اللاعب يعيش فيلم فنون قتالية مصغر.
Karate Champ (1984)
هذه اللعبة تُعتبر بداية ألعاب القتال التنافسية ، حيث قدمت نموذجًا للمبارزات الثنائية يعتمد على الدقة وتسجيل النقاط. وضعت Karate Champ فكرة الجولات التنافسية التي ستتطور لاحقًا إلى ألعاب القتال الحديثة. قبل ظهور Street Fighter، جاءت Karate Champ لتثبت أن مبارزة لاعبَين يمكن أن تكون تجربة مثيرة وممتعة. تُقام المباراة على ثلاث جولات، وكل ضربة محسوبة بدقة. رغم أن النموذج كان بسيطًا، إلا أنه أظهر أن القتال يمكن أن يعتمد على المهارة بدلاً من العشوائية. مع مرور الوقت، تبنت ألعاب التسعينيات فكرة الجولات والميزان والمهارات الخاصة وتعدد الشخصيات، لكن بداية الفكرة نفسها وُلدت هنا، حتى وإن تخلّت الصناعة لاحقًا عن نظام العصي المزدوجة في اللعبة.
Aeon of Strife (1998)
تُعتبر هذه اللعبة المولد الأول لنوع الـMOBA ، حيث قدمت أسلوب لعب يركز على البطل الواحد عبر ثلاثة مسارات، مع وحدات آلية وقدرة على التطور تدريجيًا، لتُنشر بذلك البنية الأساسية لما ستصبح عليه ألعاب الـMOBA الحديثة. ألهمت لاحقًا DotA وLeague of Legends وغيرها من عمالقة هذا النوع. ظهرت Aeon of Strife كخريطة مخصصة في لعبة StarCraft، لكن تأثيرها تجاوز فكرة “التعديل” البسيط. فقد تخلت هذه التجربة المبكرة عن نهج البناء الكلاسيكي للقواعد، وركزت بدلاً من ذلك على التحكم بشخصية واحدة تقاتل إلى جانب موجات من وحدات الذكاء الاصطناعي. يحصل اللاعب على الخبرة، ويختار القدرات، ويدفع المسارات تدريجيًا نحو منطقة الخصم. لم تكن لعبة كاملة، لكن تصميمها احتوى فكرة جديدة تمامًا: منافسة تعتمد على نمو الأبطال، وتنسيق الفريق، والضغط المستمر عبر المسارات. هذا المزيج شكل لاحقًا الجينات الأساسية لنوع الـMOBA. ألهم المشروع لعبة Defense of the Ancients (DotA) في Warcraft III، التي طورت الفكرة بإضافة بناء العتاد، وتصميم أبطال أكثر عمقًا، وتوازن تنافسي واضح. ومن DotA وُلِدت ألعاب مثل League of Legends وDota 2 وSmite وسائر ألعاب الـMOBA الحديثة.
