«التحديات أمام اليمن: طريق مسدود وانقسامات تعمق الأزمة»

«التحديات أمام اليمن: طريق مسدود وانقسامات تعمق الأزمة»

الدوحة– بعد أن تحولت الأزمة اليمنية من صراع على السلطة إلى أزمة إقليمية، أشار مسؤولون يمنيون وخبراء إلى تعثر كامل في خارطة الطريق التي كانت مُتوقعة لتحقيق السلام في البلاد، وذلك في ظل انعدام شبه كلي للثقة بين الأطراف المتصارعة وتآكل الجهود الدولية لحل النزاع.

وشدد المتحدثون على أن غياب شريك حقيقي للتفاوض، بالإضافة إلى التركيز على معالجة نتائج الأزمة بدلاً من أسبابها الأساسية، يدفع باليمن نحو مزيد من التعقيد والانقسام، خصوصاً مع التطورات الأخيرة في المناطق الشرقية التي أظهرت تصدعات داخل معسكر الشرعية نفسه.

وحذروا من أن الانخراط الدولي الذي يركز على الجانب الأمني فقط، دون فهم عميق لطبيعة الصراع اليمني، لن يؤدي إلى حلول مستدامة، مؤكدين أن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة ككل.

جاءت هذه التصريحات خلال جلسة متخصصة حول اليمن، عقدها منتدى الدوحة في نسخته الـ23 بالشراكة مع مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، تحت عنوان “اليمن عند مفترق طرق”، وشارك فيها وزير الخارجية وشؤون المغتربين اليمني شايع الزنداني، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، ورئيس مركز دراسات الخليج الدكتور عبد العزيز الصقر.

خارطة طريق دون شريك تفاوضي

على الرغم من مرور عامين على النقاش حول خارطة طريق للسلام في اليمن، فإن الواقع يُظهر تعطلًا كاملًا لهذا المسار، في ظل غياب الشريك الحقيقي للتفاوض، حسبما أكد وزير الخارجية اليمني، مشيرًا إلى أن الحكومة وافقت على خارطة الطريق التي توصل إليها الوسطاء في السعودية وسلطنة عمان، قائلاً إن “مجلس القيادة الرئاسي وافق عليها نتيجة جهود الأشقاء في المملكة وسلطنة عمان”، ومع ذلك، أضاف أن “الميليشيات الحوثية لم تستفد من هذه الاتفاقية وواصلت التصعيد”.

وشدد الزنداني على أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة الطرف الآخر، متسائلاً: هل الحوثيون لديهم استعداد للسلام؟ وما برنامجهم السياسي؟ وما رؤيتهم للدولة اليمنية؟ موضحًا أن “كيفية التعامل مع جماعات تعتقد أن لها الحق الإلهي في الحكم، والتي ترى أنها مختارة من الله لقيادة الشعب”، تمثل تحديًا جوهريًا.

وأكد الوزير اليمني أن الحكومة شكلت فريق مفاوضات منذ عامين أو ثلاثة، مُشيرًا إلى أن “الفريق موجود ولدينا القدرات والإمكانيات والكفاءات القادرة على التعامل مع كل الظروف المتعلقة بالتفاوض”، لكنه استدرك قائلاً: “المشكلة أننا لا نجد شريكًا أساسيًا للتفاوض”.

وانتقد الزنداني التعامل الدولي مع الأزمة اليمنية، مُؤكدًا أن “العالم لم يفهم اليمن حتى الآن بما يكفي، ولم يشخص جوهر المشكلة”، مُشيرًا إلى أن قرارات مجلس الأمن الدولي، وخاصة القرار 2216، لم تُنفذ بالشكل المطلوب.

تآكل الثقة وضرورة الانخراط الدولي الشامل

في تشخيص دقيق للواقع الحالي في اليمن، أقر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ بأن “أكبر ضرر شهدناه خلال السنتين والنصف الماضية هو التآكل الكامل للثقة”، مضيفًا أن “مستوى الثقة داخل اليمن، وأيضًا من المنطقة والمجتمع الدولي، انخفض إلى أدنى مستوى له على الإطلاق فيما يتعلق بأي حل للصراع”.

وشدد غروندبرغ على ضرورة بناء أي تسوية مستقبلية على “حلول قابلة للقياس والتحقق”، مُضيفًا أن “الوضع الحالي وكيفية الحلول يجب أن يُعرّف بطريقة مختلفة قليلاً عمّا كان في سبتمبر/أيلول 2023، حيث كان هناك مستوى أكبر من الأمل”.

ودعا المبعوث الأممي المجتمع الدولي إلى “الحرص على البقاء منخرطًا في الشأن اليمني”، مُحذرًا من أن “الانخراط يجب ألا يركز فقط على المنظور الأمني”، مؤكدًا أن “اليمن بحاجة إلى نهج شامل يتطلب انخراطًا جادًا من المجتمع الدولي، ويتجاوز بكثير مجرد مفهوم الحرب بالوكالة أو الإرهاب أو انعدام الأمن في البحر الأحمر”.

وأكد غروندبرغ أهمية فهم اليمن بعمق قبل تقديم الحلول، قائلاً “يجب فهم اليمن، وهذا ليس بالأمر السهل. أي شخص هنا يعرف اليمن أو يتابع شؤونه يدرك أن اليمن بلد غني ومعقد، وقد عانى من صراعات منذ فترة طويلة حتى قبل أن تبدأ الحروب”. وانتهى إلى أن “الأزمة لا يمكن حلها إلا بواسطة اليمنيين أنفسهم، وهذه هي القاعدة الأساسية”.

التدخلات الخارجية والمصالح الخاصة

من جهته، قدم رئيس مركز دراسات الخليج عبد العزيز الصقر تحليلاً نقديًا للتدخلات الدولية في القضية اليمنية، مشككًا في فعالية تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، حيث قال “وضعت الولايات المتحدة الحوثيين في قائمة الإرهاب للمرة الأولى، ثم جاء رئيس آخر وأزالهم”، مُضيفًا أن “العمليات العسكرية سواء الأمريكية أو البريطانية أو الإسرائيلية كانت لها أهداف معينة، ولم تكن مرتبطة بتغيير النظام في اليمن”.

وأشار الصقر إلى تباين المواقف الإقليمية تجاه الأزمة اليمنية، موضحًا أنه “عندما تطغى المصلحة الوطنية أو القُطرية على المصالح الإقليمية، قد يختلف القرار هنا”، وذكر أن المملكة العربية السعودية “حرصت على تجنب التصعيد العسكري، مع الحفاظ على الحوار السياسي بين الفصائل”، مُشيرًا إلى أن “أي تصعيد عسكري سيدفع ثمنه اليمن”.

وشدد الصقر على أن “الدور الخارجي لن يؤثر في تغيير الوضع في اليمن، خاصة البريطاني والإسرائيلي والأمريكي”، مشيرًا إلى أن “ما سيغير الوضع في اليمن هو إما من الداخل أو من القوى الإقليمية”، محذرًا من أن “الجماعات المسلحة غير الحكومية تُشكل خطراً كبيراً في الوطن العربي، كما رأينا في العراق وفي أماكن أخرى”.

اختتم الصقر بالتأكيد على أن “أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة، ومن دون وجود يمن آمن ومستقر، سواء على الحدود البرية للسعودية أو عمان أو الحدود البحرية، فإن تأثيره سيكون كبيرًا على كل المنطقة”.

العليمي: الحكومة قادرة على تجاوز الاهتزازات الداخلية

في مداخلة خلال نفس الجلسة، قال عضو المجلس الرئاسي اليمني عبد الله العليمي إن الحكومة الشرعية “تعرضت لاهتزازات معينة”، مشيرًا إلى أحداث 2018 و2019 و2020، وما حدث بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي بنحو أربعة أشهر في شبوة، وصولاً إلى الأحداث الأخيرة في حضرموت في ديسمبر/كانون الأول 2025.

وأكد العليمي أن “هنالك قاسماً مشتركاً للجميع، وهو أنهم يقفون على أرضية واحدة فيما يتعلق بالموقف من الحوثي”، موضحًا أن “كل المكونات السياسية تقف على أرضية صلبة فيما يتعلق بالموقف من الحوثي” باعتباره “تهديدًا وجوديًا حقيقيًا للدولة”.

أضاف أن “هذا الفهم يُعتبر أحد العوامل التي تساعد على تجاوز بعض الإشكاليات التي نشأت في مسيرة الشرعية”.

وأكد العليمي على أن “المبدأ الذي لدينا هو عدم دعم أو الوقوف مع أي طرف من الأطراف الشرعية الذي يسعى لاستيلاء بالقوة أو يعتمد على لغة السلاح في فرض توسع في أي مكان”، مُشيرًا إلى أن “الأشقاء في المملكة العربية السعودية بذلوا جهودًا كبيرة، وهم لا يزالون قائمين في حضرموت يعملون على ترميم ما تم”، كما أن “الأشقاء في الإمارات أيضًا يمارسون دورًا إيجابيًا في هذه المرحلة”.

يُذكر أن منتدى الدوحة يُعقد في نسخته الـ23 تحت شعار “ترسيخ العدالة: من الوعود إلى الواقع الملموس”، ويقام في فندق شيراتون الدوحة على مدى يومي السبت والأحد، بمشاركة عدد كبير من الزعماء والمسؤولين من دول مختلفة.

يشارك في المنتدى أكثر من 6 آلاف شخص، و471 متحدثاً من نحو 160 دولة، لمناقشة قضايا محورية تشمل الأمن الغذائي والطاقة والتغير المناخي والذكاء الاصطناعي والنزاعات الإقليمية، في إطار سعي المنتدى لتحويل النقاشات النظرية إلى حلول عملية قابلة للتطبيق.

ويُعتبر المنتدى منصة عالمية رفيعة المستوى تجمع قادة العالم وصناع القرار والخبراء لمناقشة أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الدولي.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *