فالبيت الأبيض يعتبر أن الشرع يمثل بديلًا مقبولًا دوليًا عن نظام الأسد، قادر على التحكم في الوضع الداخلي السوري، ووقف تمدد النفوذ الروسي والإيراني، في حين أن تل أبيب تواصل تنفيذ غاراتها العسكرية التي تهدد أي مسار سياسي محتمل.
تحديات التوازن
يؤكد الباحث الأول في المجلس الأطلسي بواشنطن، سمير التقي، في حديثه إلى غرفة الأخبار على “سكاي نيوز عربية”، أن هذا التوازن يواجه صعوبات جمة، فإسرائيل لا تبدو مستعدة للتراجع عن أي من أهدافها في الداخل السوري، بينما تقتصر قدرة واشنطن على ضبط جموحها على حدود الاستنكار السياسي.
خطوة نحو سوريا جديدة
يصف التقي اللقاء الذي جمع ترامب بالشرع في البيت الأبيض بأنه لحظة رمزية تعكس مسارًا سياسيًا واضحًا، حيث شهد هذا اللقاء استقبالًا رسميًا حافلًا، وتبادل للنظرات الإيجابية والعناق، وصولًا إلى تبادل العطر، في صور انتشرت على وسائل الإعلام واعتبرت علامة على التوافق الأميركي – السوري على المستوى الرسمي.
ويشير التقي إلى أن الإدارة الأميركية تقدم الشرع اليوم كبديل مقبول دوليًا، قادر على ضبط الوضع الداخلي السوري ومنع توسع النفوذ الروسي والإيراني، وهو ما يصفه ترامب بإنجاز مهم حققته سوريا الجديدة خلال فترة قصيرة.
ورغم هذه الإشارات الإيجابية، يبقى السؤال المركزي: كيف يمكن لواشنطن تحقيق توازن حقيقي بين دعم مسار سياسي جديد في سوريا والحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، التي لا تزال تستثمر في الهيمنة العسكرية على الأرض؟
مشروع الهيمنة مستمر
يشير التقي إلى أن إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، تعمل وفق معادلة واضحة: أي وجود لنوايا عدائية ضد تل أبيب داخل الأراضي السورية يمنحها الحق في تنفيذ الغارات العسكرية.
وتُعتبر هذه المعادلة، بحسب التقي، عنصرًا أساسيًا في السياسات الإسرائيلية، وتتعلق مباشرة بقدرتها على السيطرة على الأرض السورية وممارسة الضغط على دمشق من خلال المطالب السيادية، التي تشمل ثلاث نقاط رئيسية:
- منطقة عازلة حول دمشق: تهدف إلى إخضاع العاصمة للهيمنة العسكرية الإسرائيلية، بما يجعلها قابلة للنفوذ العسكري على المدى الطويل.
- حظر تطوير الأسلحة: تمنع إسرائيل سوريا من تطوير الصواريخ أو الطائرات المسيرة، في سياق الحرب غير التقليدية التي تشمل قدرات متجددة لدى الميليشيات والمنظمات غير الحكومية.
- التحكم في الأمن الداخلي: أي شخص يُعتبر تهديدًا من قبل الاستخبارات الإسرائيلية يمكن استهدافه، مما يضمن استمرار إسرائيل في ممارسة الضربات رغم أي اتفاقيات رسمية.
ويضيف التقي أن إسرائيل تتصرف وكأن أي اتفاق أمني مع سوريا لن يكون سوى أداة مؤقتة، بينما تظل الغارات قائمة لتحقيق أهداف السيطرة على الأرض.
واشنطن محشورة.. بين الدولة العميقة وضغوط إسرائيل
يصف التقي الرئيس ترامب بأنه محشور في موقفه من سوريا، في ظل تأثير “الدولة العميقة” داخل الولايات المتحدة، التي تختلف في أولوياتها واستراتيجياتها عن سياسات ترامب اليومية.
فبينما يقدم الرئيس الأميركي إشارات إيجابية تجاه الشرع، هناك كتلة كبيرة داخل البيت الأبيض تعمل وفق منظور طويل الأمد، وتراهن على إبقاء إسرائيل في موقع الهيمنة الإقليمية في بلاد الشام.
ويعتبر التقي أن هذه الديناميكية تعكس استمرار نمط السياسة الأميركية في المنطقة، حيث الاستنكار السياسي للغارات الإسرائيلية لا يقابله أي قدرة عملية على منعها.
ويشير إلى أن واشنطن، كما فعلت سابقًا في لبنان وغزة، لن تستطيع تحقيق توازن بين حلفائها، مما يجعل أي اتفاق محتمل مع سوريا محدود الفعالية، إذ ستحتفظ إسرائيل بحق الضرب متى شاءت.
الخطر السوري الداخلي.. القوة الوطنية كضمان
ويشير التقي إلى أن الحل الوطني لسوريا يكمن في قوتها الداخلية، بعيدًا عن أي تدخل خارجي، فكلما كانت الدولة السورية أكثر قدرة على ضبط الداخل، كانت أكثر قدرة على مواجهة إسرائيل على الأرض.
ويضيف أن التحديات لا تقتصر على الضغوط العسكرية فقط، بل تشمل استغلال الانقسامات الداخلية من قبل القوى الإقليمية والدولية، كما هو الحال في لبنان حيث يُستغل الوضع في طرابلس والجنوب لتعزيز النفوذ الإسرائيلي.
ويصف التقي استمرار الغارات الإسرائيلية في الأراضي السورية بأنها “عربدة كاملة” تهدف إلى زعزعة الاستقرار، حتى في غياب حزب الله أو داعش، مؤكدًا أن ذلك يولد ردود فعل مضادة محلية، ويعيد إنتاج القدرة القتالية لدى بعض الميليشيات.
اتفاقيات أمنية بلا ضمانات
يشدد التقي على أن أي اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل لن يعني سلامًا حقيقياً، فتل أبيب ستستمر في ممارسة الضربات عند الحاجة، ولن تتوقف عن اتباع استراتيجيتها العسكرية، مما يعكس الطبيعة الحقيقية للمأزق الأميركي في سوريا: الرغبة في دعم مسار سياسي جديد من جهة، وعدم القدرة على تقييد إسرائيل من جهة أخرى. ويضيف أن ما يجري يشبه لعبة “الجزرة والعصا”: جزرة التفاوض والعلاقات الإيجابية مع سوريا، وعصا الاستهداف العسكري لضمان استمرار الهيمنة الإسرائيلية، مما يجعل ترامب في موقع محدود الخيارات، محشور بين الأمل في نجاح الشرع والخضوع للضغط الإسرائيلي المستمر.
السيناريو الإقليمي.. تركيا والدول الأخرى
يشير التقي إلى أن الهيمنة الإسرائيلية في سوريا قد تثير نقاط احتكاك مع تركيا ودول إقليمية أخرى، لكنها في الوقت الراهن تسير وفق المسار الذي يضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية.
ويؤكد أن “الدولة العميقة” الأميركية تدرك خطورة الوضع، وتحاول تجنب أي مواجهة مباشرة، مما يضع سوريا على كف عفريت بين الهيمنة الإقليمية وضغوط القوة الوطنية الداخلية…
التحدي السوري المستمر
في ضوء التحليل، يظهر بوضوح أن المسار السياسي الجديد في سوريا بقيادة الشرع يواجه قيودًا شديدة، فواشنطن تحاول دعم هذا المسار، لكنها محشورة بين الضغوط الإسرائيلية ومحددات “الدولة العميقة”، ما يجعل أي اتفاق محتمل محدود الفاعلية، بينما تستمر إسرائيل في فرض نفوذها العسكري على الأرض، مستفيدة من ضعف قدرة واشنطن على التحكم في تحركاتها…
ويخلص التقي إلى أن مستقبل سوريا يرتبط بشكل أساسي بالقوة الداخلية للدولة، وقدرتها على حماية سيادتها على الأرض، بعيدًا عن الوعود الأميركية العابرة أو الاتفاقيات غير المضمونة، في ظل استمرار التدخلات الإقليمية واستغلال الانقسامات الداخلية، فالتحدي السوري اليوم هو البقاء على قيد الاستقلال السياسي والعسكري، في مواجهة مشروع إسرائيلي يتقدم على الأرض، وحراك أميركي محدود القدرة على ضبط هذا التقدم.
