توقف القتل الجماعي بشكل وحشي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ولكن الصراع السياسي والأمني والعسكري لا يزال مستمراً، حيث يعاني القطاع من حصار خانق وانهيار في جميع الخدمات، بسبب الدمار الذي ألحقه الاحتلال الإسرائيلي بالبنية التحتية والمساكن، ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تتوقف انتهاكات الاحتلال المثيرة للقلق، حيث سجلت نحو 500 خرق، أسفرت عن مقتل 342 شخصًا وإصابة حوالي 875 آخرين، وفقًا للتقارير الإعلامية من غزة بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
أشواك القوات الدولية
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لتمهيد الطريق نحو الوصاية الدولية عبر تأسيس قوات دولية تنفيذية مكلفة بنزع سلاح المقاومة، وتحويل قطاع غزة إلى منطقة مستقرة لا تهدد أمن إسرائيل، كشرط أساسي لنجاح خطة ترامب، وتحاول إسرائيل أن تدعم تلك القوات من خلال تقديم إسناد أمني وعسكري، كما تسند مهمة تأسيسها إلى الوحدة المسؤولة عن القوات الخاصة في القوات المركزية الأميركية.
تتواصل لقاءات في مركز التنسيق الأمريكي بحضور أكثر من 20 دولة عربية وأجنبية، في منطقة كريات غات جنوب تل أبيب، مناقشة مهام وآليات عمل تلك القوات وأسلوب القيادة والسيطرة، وبحث سبل إنجاح مهمتها الرئيسية المتمثلة في نزع سلاح المقاومة، وتدمير أنفاقها وكل بنيتها التحتية.
تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على دراسة كيفية تجاوز المخاطر التي عاشتها قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، لتصميم قوات دولية تعتمد على دول عربية وإسلامية لمواجهة كتائب القسام والمقاومة الفلسطينية، والتركيز على إيجاد طرق لتحفيز هذه القوات لأداء المهمة، رغم أن إسرائيل وجيشها لم ينجحوا في المهمة رغم إمكانياتهم المدعومة من واشنطن والعديد من العواصم الغربية.
تخشى إسرائيل من تكرار تجربة اليونيفيل الفاشلة، حيث قد تفضل القوات الدولية تجنب المواجهة مع المقاومة الفلسطينية بسبب الخوف على مصير الجنود والضباط، وذلك بعد متابعة عنف المعارك وبأس المقاومة الفلسطينية، التي استطاعت إحراج إسرائيل والنظام الغربي الجبّار عسكريًا وأمنيًا.
على الرغم من الزخم الأمريكي الإسرائيلي لإنشاء القوات الدولية، يبقى الأمر محفوفًا بالصعوبات، حيث ما زالت الدول مترددة في المشاركة لعدة أسباب، من أهمها:
أولاً: تحاول إسرائيل السيطرة على إدارة القوات الدولية بشكل غير مباشر من خلال دعم الولايات المتحدة، مما يشكل إهانة للدول المشاركة، كما أن قرار مجلس الأمن 2803 منح واشنطن صلاحية تحديد شروط وآليات عمل هذه القوات، وهذا ما اعترض عليه المندوب الروسي في المناقشات بالمجلس، معتبرًا أن ضمانات الأمم المتحدة حول هذا الأمر لم تكن واضحة.
وفي هذا الإطار، تتدخل إسرائيل بشكل علني لتعطيل تشكيل القوات الدولية، معارضةً مشاركة تركيا وقطر باعتبارهما دولتين تدعمان الشعب الفلسطيني وعلاقتهما بحركة حماس.
ثانيًا: تخشى الدول من تحول وجود القوات الدولية في غزة إلى إدارة أمنية وعسكرية دائمة، مما سينتهك حقوق الفلسطينيين في إدارة شؤونهم السياسية والمدنية، والتي تهدف إلى تمكينهم من ممارسة حقهم في تقرير المصير وإنشاء دولتهم الفلسطينية، مما يجعل من القوات الدولية جزءًا من المشكلة بدلاً من الحل.
إن خطة الرئيس ترامب لإنهاء الحرب على غزة لا تفتح أفقًا للحل السياسي، بل تشير إلى احتمالية فتح مسار تفاوضي حول حق تقرير المصير للفلسطينيين، حال توفر شروط معقدة من المرجح أنها وضعت لسد الطريق نحو الدولة الفلسطينية، مثل نزع سلاح المقاومة، وتحويل غزة إلى منطقة آمنة لا تهدد إسرائيل، وإعادة تطوير القطاع، وإصلاح السلطة الفلسطينية التي توشك على الانهيار بسبب الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
ثالثًا: تخشى الدول من الانجرار نحو الدور البديل للاحتلال الإسرائيلي في قمع الفلسطينيين وملاحقة النشطاء والمقاومين، ما قد يرفع التكلفة البشرية والسياسية عليها حال حدوث اشتباكات مسلحة، مقارنة بالأثمان الباهظة التي تكبدتها إسرائيل في حروبها الدموية على القطاع.
كما تخشى هذه الدول من ردود فعل شعوبها الغاضبة أصلاً من الاحتلال الإسرائيلي والانحياز الأمريكي له، مما قد يتحول إلى أزمة داخلية لتلك الحكومات.
نقاط قوة في مواجهة الوصاية الدولية
تسعى خطة ترامب لوضع الفلسطينيين تحت الوصاية الدولية وتقويض حقوقهم السياسية، وليست هذه المحاولة الأولى لتطويع الفلسطينيين تحت معايير الاحتلال، إذ أن ترامب حاول فرض رؤيته السياسية لحل النزاع، المعروفة بـ”صفقة القرن” خلال رئاسته عام 2020، وفشلت بفعل رفض الفلسطينيين ومقاومتهم. كما أن هذه الخطة، على الرغم من تغطيتها بقرار مجلس الأمن 2803، تتعارض مع القانون الدولي، وكذا مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024، والذي يدعو لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضي غزة والضفة والقدس، مطالبًا المجتمع الدولي بتمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم.
أيضًا، تتناقض هذه الخطة مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (ES-10/24)، الذي صدر عقب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، والذي يدعو لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني “دون تأخير ودون تجاوز 12 شهراً” من تاريخ التصويت على القرار.
بناءً عليه، يبدو أن الموقف الفلسطيني، إن رفض تنفيذ ما يُفضي إلى الوصاية الدولية وأصرّ على حقوقه الإنسانية والطبيعية في إدخال المساعدات، وحقوقه السياسية بانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، يتماشى مع القانون الدولي، ومع قرارات دولية أخرى، ومع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، مما يتيح مجالًا مهمًا للمناورة السياسية لمواجهة مسار الوصاية الدولية.
في هذا السياق، يمكن للفلسطينيين تفعيل العديد من أوراق القوة لتعزيز موقفهم في المفاوضات وحماية حقوقهم الإنسانية والوطنية قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق إنهاء الحرب، وتشمل:
- وحدة الموقف الفلسطيني تجاه القضايا المفصلية؛ كالحرص على أن تكون القوات الدولية قوات فصل بين الاحتلال والفلسطينيين، وليس قوات تنفيذية لنزع سلاح المقاومة، أو التدخل في الشؤون الفلسطينية الداخلية، حيث يعد سلاح المقاومة مرتبطاً بقضية إقامة الدولة الفلسطينية.
يمكن أيضًا البحث عن بدائل لنزع السلاح، مثل الاقتراح بإقامة هدنة طويلة الأمد، إضافةً إلى التمسك بوجود هيئة فلسطينية لإدارة القطاع، وتعاونها مع مجلس السلام بقيادة الرئيس ترامب للحفاظ على وقف إطلاق النار، والإشراف على ملف إعادة الإعمار وتنمية القطاع. هذا الموقف يتطلب تفاعلًا فلسطينيًا واسعًا من جميع القوى والأطر الوطنية لحماية قطاع غزة كجزء من الدولة الفلسطينية.
- تفعيل الدور العربي والإسلامي ليكون دعمًا للموقف الفلسطيني الموحد؛ بعد الاتفاقات المهمة السابقة بين حركة حماس وقوى المقاومة مع القاهرة لتشكيل هيئة فلسطينية لإدارة القطاع، بدعم من جامعة الدول العربية، ورغبة القاهرة في الاتفاق على الهدنة بدلاً من نزع السلاح، كما أشار إليه السيد ضياء رشوان، رئيس هيئة الاستعلامات المصرية.
من الضروري استثمار هذا التوجه، خاصة أن بعض الدول العربية والإسلامية قد تلعب دورًا مهمًا في الضغط على الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب، الذي يسعى لإنجاح الاتفاق كإنجاز له.
- استعادة حيوية الحراك الجماهيري والشعبي، عربيًا ودوليًا؛ بعد جدوى تأثيره في عزل إسرائيل وكشف جرائمها، مما دفع الحكومات لاتخاذ مواقف ضغط لوقف حرب الإبادة، وهذا جانب يجب توظيفه، ففي حين توقفت عمليات الإبادة إلى حد ما، ما زالت الحرب مستمرة تحت طائلة الحصار، ومنع خروج المرضى للعلاج، وتجديد القطاعين الطبي والتعليمي، وضعف آليات الإيواء في ظل دمار شامل طالت حوالي 90% من قطاع غزة.
تُعَد هذه موضوعات إنسانية رئيسية للعمل بها مع الشعوب العربية والإسلامية، وفي أوروبا والولايات المتحدة وآسيا وأفريقيا والأميركتين، حيث أصبحت غزة رمزًا للعمل والتضامن الإنساني، ومن اللازم الحفاظ على هذا الزخم حتى يتم كبح جماح الاحتلال عن الفلسطينيين، وتأكيد الحقوق الإنسانية والسياسية لهم.
تسعى إسرائيل برعاية أمريكية لتحقيق أهدافها في الحرب عبر المفاوضات، والاستنزاف الأمني، والتحكم في دور القوات الدولية، وزيادة الوصاية الدولية التي تنزع عن الفلسطينيين أهليتهم السياسية، وهذا مسار خطر يحتاج إلى تحليل فلسطيني مكثف ورعاية عربية وإسلامية لإعادة النظر في أولويات المرحلة وأدواتها، لخلق مساحات للمناورة التي تقلل من سلبيات خطة ترامب وقرار مجلس الأمن 2803، ودحض التداعيات الكارثية المترتبة على مصير غزة ومستقبل القضية الفلسطينية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
