«تساؤلات حول مساومة الرجال لنسائهم بصورهن الخاصة»

«تساؤلات حول مساومة الرجال لنسائهم بصورهن الخاصة»

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، بحسب شهادات عدد من المحامين والنشطاء والخبراء في مجال الجرائم الإلكترونية الذين تحدثوا لـ “بي بي سي”، لوحظت زيادة مقلقة في عدد الشكاوى التي يكون المبتز فيها هو الزوج أو الطليقArticle Information

    • Author, رحاب إسماعيل
    • Role, بي بي سي عربي – القاهرة
  • قبل 3 ساعة

استيقظت رضوى -اسم مستعار- التي تعيش في إحدى المدن المصرية، على صوت إشعار رسالة هاتفية، لم تكن تعلم أنها ستكون بداية لكابوس سيقلب حياتها رأساً على عقب، أمسكت هاتفها لتفاجأ برسائل تتضمن صوراً ومقاطع فيديو حميمة لها، التقطت داخل جدران منزلها التي كانت تظنها حصناً للأمان، لم تكن الصدمة في المحتوى فحسب، بل في هوية المُرسل؛ إنه طليقها، الرجل الذي شاركته الحياة يوماً ما، كما أوضح محاميها يحيى رضوان، المتخصص في جرائم الإنترنت ومؤسس مبادرة “معاً ضد جرائم الإنترنت للتهديد والابتزاز” في مصر، يقول رضوان إن رضوى قررت في البداية الخضوع للابتزاز، ولكن طليقها استنزفها مادياً حيث حصل منها على ما يقارب 2 مليون جنيه مصري (حوالي 40 ألف دولار أمريكي) على مدار عامين، استمر الابتزاز بلا هوادة، حتى أدركت رضوى أنها تحولت في نظر طليقها إلى مجرد “ماكينة صراف آلي”، كما يصف محاميها، وأن الصمت لن ينهي المأساة، هنا، قررت تقديم بلاغ ضده، وتمكنت الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات أو ما يعرف بمباحث الإنترنت في مصر من إثبات تورط طليقها في تهديدها، وبعد حوالي عام كامل من الإجراءات القضائية، حصل المتهم على حكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

ليست حالة فردية

قصة رضوى ليست الأولى وربما لن تكون الأخيرة في ظل تزايد وتيرة العنف الرقمي، فوفقاً لشهادات عدد من المحامين والنشطاء والخبراء في مجال الجرائم الإلكترونية في مصر الذين تحدثوا لـ “بي بي سي”، لوحظت زيادة مقلقة في عدد الشكاوى التي يكون المبتز فيها هو الزوج أو الطليق، تشير الإحصاءات العالمية إلى تفاقم العنف الرقمي ضد النساء؛ فوفقاً لدراسة أجرتها وحدة المعلومات التابعة لمجلة “الإيكونوميست” في عام 2020، تبين أن 38% من النساء حول العالم تعرضن شخصياً للعنف الرقمي، وشكلت الاعتداءات القائمة على التهديد بنشر الفيديوهات والصور نسبة 57% من إجمالي جرائم العنف الرقمي، أما في المنطقة العربية، فالوضع لا يقل خطورة، حيث تعرضت 60% من مستخدمات الإنترنت من النساء للعنف عبر منصات الإنترنت، وفقاً لتقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة الصادر عام 2021، وفي مصر، ورغم غياب إحصاء رسمي دقيق يحصر عدد النساء اللاتي تعرضن للعنف الرقمي أو يحدد صلة القرابة بين الضحية والمبتز، إلا أن التقرير السنوي لمكتب شكاوى المجلس القومي للمرأة لعام 2023 يوضح أن جرائم تقنية المعلومات شكلت 1.6% من إجمالي الشكاوى المقدمة للمجلس، والتي تجاوزت 26 ألف شكوى، لكن الأرقام تقفز بشكل كبير عند النظر إلى تقارير المبادرات الأهلية المصرية المتخصصة في مجال العنف الرقمي، فبحسب التقرير السنوي لمبادرة “اتكلمي” لعام 2024/2025، تم رصد ما يزيد عن عشرة آلاف استغاثة عبر الخط الساخن وصفحات التواصل الاجتماعي، وعدد من الشكاوى التي وردت إليهم تضمنت اضطلاع أزواج بابتزاز زوجاتهم مستغلين صوراً حميمية من فترة الزواج لأسباب مختلفة، منها تهديدهن للتراجع عن الطلاق أو التهرب من مسؤوليات مادية.

ثغرات تكنولوجية

شهدت بعض الحالات تطوراً خطيراً باستخدام أدوات رقمية مفبركة لاتهام الزوجة بالزنا، يروي عصام عطية، المحامي المتخصص في قضايا الأحوال الشخصية، واقعة لزوجة رفع زوجها ضدها دعوى زنا مقدماً أدلة رقمية أثبتت التحقيقات لاحقاً أنها مزورة، ويقول عطية إن الزوج كان يسعى لإثبات “واقعة زنا” للحصول على تصريح كنسي بالطلاق والزواج مرة أخرى، حيث قام بتوليد تلك المقاطع المزورة وتقديمها للسلطات، وفي قضايا أخرى، لم تتمكن بعض النساء من إثبات التلاعب التقني، بسبب ثغرات قانونية، فقد قدم زوج آخر أدلة رقمية للطعن في سلوك زوجته بهدف إجبارها على التنازل عن حقوقها كافة، وصدر بحقها حكم بالحبس سنة وغرامة مالية قبل أن تحصل على البراءة في مرحلة تقاضٍ أعلى، بعد إثبات تزوير الأدلة، بحسب تفاصيل القضية التي نشرتها وسائل إعلام مصرية رسمية وخاصة، وفي قضية أخرى كان الوضع فيها أصعب، حيث جاءت الموكلة بعد صدور حكم نهائي ضدها بالحبس، أي أنها كانت قاب قوسين أو أدنى من دخول السجن، حيث كان الزوج يعمل في دولة عربية وزوجته في مصر، وأقنعها بإقامة علاقة حميمة عبر مكالمات الفيديو بحجة البعد والسفر، لكنه قام بتسجيل هذه المكالمات بالصوت والصورة، ثم تمكن الزوج من تزييف المحادثات والصور لتبدو أنها مع شخص آخر.

ويوضح عطية أن الدافع الحقيقي في هذه القضية كان خلافات مالية؛ فالزوجة كانت تطالبه بمبالغ مالية سددتها عنه، وحين طالبت بالسداد، رفض وهددها بتلفيق تهمة تحبسها وتفضحها، وهو ما فعله بالفعل.

الخوف والوصمة

ورغم فداحة الجرم، تتردد الكثير من النساء في تقديم بلاغات رسمية، حيث يوضح محمد اليماني، رئيس مجلس أمناء مؤسسة “قاوم” لدعم ضحايا الجرائم الإلكترونية والعنف الرقمي، أن السبب الرئيسي يرجع إلى “الوصمة المجتمعية” والخوف من رد فعل المحيطين، حيث ترد الضحايا دائماً عبارات مكررة تتسم بالرعب مثل “لا أريد أن يعرف أبي”، “أخي سيقتلني”، وتسعى مؤسسات مثل “قاوم” و”اتكلمي” لمساعدة الضحايا عبر مسح المحتوى المنشور على المنصات الإباحية أو وسائل التواصل الاجتماعي.

هل القوانين كافية؟

تقول نهاد أبو القمصان، المحامية بالنقض وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، إن القانون رقم 175 لسنة 2018، المعروف بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، يُعتبر ترسانة قانونية شاملة، ويتضمن كافة الجرائم التي يمكن تخيلها، لدرجة أنه متوسع في تجريم بعض الأفعال، وخاصة المادة 25 التي تحتوي على مصطلحات فضفاضة مثل انتهاك الآداب العامة أو قيم الأسرة، والتي قد تستهدف النساء أحياناً دون أسباب موضوعية، وينص القانون المصري على معاقبة كل من اعتدى على أيّ من المبادئ أو القيم الأسرية، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو نشر عبر الشبكات المعلوماتية صوراً أو معلومات تنتهك الخصوصية دون رضا صاحبها، بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه مصري (نحو 1200 دولار أمريكي)، وتضيف المحامية أبو القمصان أن القانون ينص بوضوح على أن استخدام الصور في الابتزاز، حتى وإن قامت المرأة بتسجيل هذه المقاطع أو مشاركتها بشكل رضائي في وقت سابق، يُعتبر جريمة، ولكن تري أنها تذهب إلى أن المعضلة لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في قدرة النساء على تقديم البلاغ وتحمل مدة الإجراءات الطويلة التي قد تزيد عن العام، مما قد يدفع الكثيرات لليأس أو التنازل.

الرحلة الفنية للبلاغ

يوضح اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية السابق لأمن المعلومات ومكافحة جرائم الإنترنت، أنه فور تلقي البلاغ، تقوم السلطات بتحديد العنوان التعريفي للجهاز المستخدم في ارتكاب الجريمة، يتم تحرير محضر رسمي وأخذ إذن النيابة العامة لمخاطبة شركات الاتصالات لمعرفة صاحب هذا العنوان وبياناته، لكن قد تحدث تحديات تقنية مثل أن يقوم المبتز بإغلاق حسابه أو استخدام رقم هاتف من خارج مصر، ويؤكد الرشيدي أن الوقت الذي تستغرقه التحقيقات هو جزء من دورة العدالة لضمان الحصول على أدلة صحيحة وليس تقصيراً من الأمن، مشيراً إلى أن المختصين بالتعامل مع هذا النوع من الشكاوى يطبقون أعلى درجات الحفاظ على الخصوصية وسرية البيانات، كما يوجد عناصر شرطية نسائية في مباحث الإنترنت يمكنها التواصل مع مقدمات البلاغات ودعمهن.

ويقول مساعد وزير الداخلية السابق لأمن المعلومات ومكافحة جرائم الإنترنت أن الضحايا يجب ألا يحذفن أي مواد مصورة تلقتها ويجب أن يقدمن الجهاز الذي تلقوا فيه التهديد لفحصه.

التوعية

تقول لمياء لطفي الناشطة في مجال حقوق المرأة ومؤسسة مبادرة “المرأة الريفية”، إن أي سيدة معرضة لحدوث الابتزاز سواء بصور حقيقية أو مزيفة، وتنصح بالبحث عن الدعم فوراً من أشخاص موثوقين، وإذا تعذر ذلك، فاللجوء للجمعيات الأهلية ومكاتب المساندة القانونية والنفسية هو الحل الأمثل، حيث تقدم دعماً مجانياً وتساعد في إجراءات التقاضي المعقدة، وتختتم لطفي رؤيتها لكيفية تغيير ثقافة المجتمع، مؤكدة أن الأمر يتطلب عملاً على محاور متعددة، أهمها تغيير الوعي عبر الإعلام والتعليم والمنابر الدينية، وتنتقد الضغط المجتمعي على الضحية للتنازل والتصالح، مشددة على ضرورة عدم التهاون في قضايا العنف ضد المرأة، وتضيف أن مؤسسات المجتمع المدني تبذل قصارى جهدها لكن إمكانياتها تظل محدودة، بينما تتزايد ظاهرة العنف الإلكتروني وتتعقد مع التطور التكنولوجي وظهور “سوق سوداء” لبيع الفيديوهات والابتزاز التي تُدار أحياناً من الخارج، ومع تزايد هذا النوع من الشكاوى، أطلق عدد من العاملين في هذا المجال مبادرات لدعم ضحايا الابتزاز الإلكتروني، عبر تقديم الدعم القانوني والنفسي، إضافة إلى التوعية بسبل الحماية الرقمية، ويقول المحامي يحيى رضوان إن “المعرفة هي خط الدفاع الأول”، مشيراً إلى أننا نعيش عصراً تلاشت فيه الخصوصية المطلقة، مستشهداً بأن مارك زوكربيرغ نفسه يغطي كاميرا حاسوبه، وهو ما يستوجب عدم منح ثقة مطلقة لأي شخص، وقد أعلنت منصة نسوية مصرية، مطلع العام الجاري، عن شراكة مع موقع إباحي شهير، بهدف “تمكين المبادرة من إزالة أي محتوى غير رضائي يتم نشره دون موافقة الأشخاص الظاهرين فيه”، ودعت النساء اللواتي تعرضن لابتزاز أو نشر محتويات خاصة للتواصل معها.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *