صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، فتاة سودانية بعلم بلادها المعتمد حالياً مرسوماً على وجهها. Article Information
-
- Author, أحمد عبدالله
- Role, بي بي سي عربي
-
قبل 3 ساعة
مع الدعوات المتزايدة لتغيير العلم السوداني وإحياء علم الاستقلال، يتوجب علينا أن نستذكر موجات أوسع شهدها العالم العربي خلال العقود الماضية.
فقد قامت دول مثل العراق وليبيا وموريتانيا وسوريا والبحرين بتعديل أو تغيير أعلامها بالكامل، سواءً بعد سقوط أنظمة أو عقب إصلاحات دستورية أو تحولات سياسية مفاجئة.
ما الذي يدفع الدول إلى إعادة تعريف أعلامها؟، وكيف ينعكس ذلك على صورة الهوية الوطنية اليوم؟
السودان 2025: عودة إلى علم الاستقلال؟
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، متظاهرة سودانية بعلم الاستقلال السوداني الأول مرسوماً على وجهها.
عند استقلال السودان عن بريطانيا في عام 1956، تم اعتماد علم مكون من ثلاثة أشرطة أفقية بألوان الأزرق والأصفر والأخضر، يدل الأزرق على نهر النيل، والأصفر على الصحراء، والأخضر على الزراعة وتراب السودان الخصيب.
استمر هذا العلم حتى عام 1970، عندما تم تغييره في فترة حكم جعفر النميري، ليصبح بألوان الأحمر والأبيض والأسود مع مثلث أخضر عند السارية، يشير الأحمر إلى الدماء والتضحيات، والأبيض للسلام، بينما الأسود يرتبط باسم البلاد ومحطات تاريخية صعبة، والأخضر يعكس الإسلام والرخاء.
خلال الحرب الأهلية المستمرة منذ عام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ظهرت دعوات لإعادة الرمزية الوطنية إلى جذورها الأولى، وفي مطلع الشهر الحالي، اقترح قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، إعادة علم الاستقلال القديم، معتبرًا أن ذلك خطوة مهمة لإحياء معاني الوحدة الوطنية، وتحدث البرهان عن ضرورة “تحريك الرموز الوطنية من جديد” والعودة إلى الراية الثلاثية الألوان التي “رفعها أجدادنا وآباؤنا في زمن الاستقلال”.
العراق: بين حقبة صدام وسعي التوافق الوطني
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، مقاتل محلي يرفع العلم العراقي القديم عام 2008 رفضاً لاعتماد الجديد.
لم يكن العراق بعيداً عن مراجعة رموزه بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، فمنذ عام 1963، رفع علم بألوان الأحمر والأبيض والأسود تتوسطه ثلاث نجمات خضراء، حيث ارتبط هذا العلم أول الأمر بمشاريع الوحدة مع مصر وسوريا، ثم اكتسب دلالات مرتبطة بحزب البعث. وفي يناير 1991، خلال حرب الخليج الثانية، أضيفت عبارة “الله أكبر” بخط يدوي منسوب لصدام حسين.
بعد عام 2003، أصبح العلم محور جدل، خصوصاً لدى الأكراد الذين ربطوه بفترة القمع، وفي عام 2004 تم طرح تصميم بديل ولكن لم يُقبل شعبياً، واستمر الاعتراض الكردي حتى توقف إقليم كردستان عن رفع العلم الاتحادي عام 2006.
مع اقتراب استضافة أربيل لاجتماعات الاتحاد البرلماني العربي عام 2008، تبلورت الحاجة إلى صيغة توافقية تظهر عراقاً موحداً، وفي يناير من تلك السنة صوت البرلمان العراقي على إزالة النجوم الثلاث نهائياً والإبقاء على عبارة “الله أكبر” بخط كوفي، في خطوة لطي صفحة البعث واستجابةً لمطلب كردي قديم.
رغم تقديم تعديل 2008 كحل مؤقت، إلا أنه استمر العلم الرسمي للعراق حتى اليوم.
ليبيا: ثورة 2011 وراية الاستقلال
صدر الصورة، Getty Images
شهدت ليبيا تحولاً واضحاً في رمزها الوطني خلال أحداث 2011، حيث تم التخلي عن الراية الخضراء المرتبطة بحكم معمر القذافي، فمنذ نوفمبر 1977، استخدمت البلاد علمًا أخضر بالكامل، في حالة نادرة عالمياً لأنه لا يحوي أي شعار أو رسمة، وقد اختير اللون الأخضر ليتماشى مع خطاب القذافي حول “الثورة الخضراء”.
عند اندلاع الانتفاضة في فبراير 2011، رفعت قوى المعارضة علم المملكة الليبية المتبنى عند الاستقلال عام 1951، وهو مكون من ثلاثة أشرطة أفقية بالأحمر والأسود والأخضر، ويتوسط الشريط الأسود هلال ونجمة بيضاء، تحول هذا العلم بسرعة إلى رمز للثورة وبديل للعلم المرتبط بالنظام القائم، ومع اندفاع المعارضة ودخولها طرابلس في أغسطس 2011، اعتمد المجلس الوطني الانتقالي هذا العلم رسميًا، وأقر دوليًا كعلم ليبيا الجديد، منهياً استخدام الراية الخضراء بعد أكثر من ثلاثة عقود.
سوريا: علمان في ساحة صراع واحدة
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، علم سوريا المعتمد بين 1980 و2024 يرفرف فوق سوق الحميدية عام 2017، قبل تغييره بعد سقوط نظام الأسد.
رفع السوريون علم الاستقلال لأول مرة عام 1932، ثم أصبح العلم الرسمي للجمهورية السورية بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1946، ويتكون هذا العلم من ثلاثة أشرطة أفقية بالأخضر والأبيض والأسود تتوسطها ثلاث نجمات حمراء.
في عام 1963، وبعد وصول حزب البعث إلى الحكم، تم تعديل العلم ليصبح بثلاثة أشرطة بنفس الألوان ولكن مع ثلاث نجمات خضراء، ثم خلال اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسوريا وليبيا من عام 1972 إلى 1980، رُفع علم الاتحاد الذي يتوسطه صقر قريش الذهبي.
في عام 1980، اعتمدت الحكومة العلم المؤلف من الأحمر والأبيض والأسود مع نجمتين خضراوين، وهو استعادة لعلم الوحدة مع مصر عام 1958، وبقي هذا العلم هو الرسمي حتى سقوط نظام بشار الأسد عام 2024.
بعد عام 2011، برز الانقسام حول الرمز الوطني، حيث تبنت المعارضة علم الاستقلال بينما احتفظت الحكومة بعلم النجمتين، ومنذ عام 2012 وحتى 2024، استخدمت مناطق مختلفة من البلاد علمين مختلفين وفقًا لخرائط السيطرة.
مع انهيار النظام عام 2024، عاد علم الاستقلال للظهور في مؤسسات المرحلة الانتقالية، في انتظار حسم دستوري يحدد العلم الوطني المقبل.
موريتانيا: خطوط حمراء
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، علم موريتانيا الجديد.
على عكس الدول العربية التي غيرت أعلامها بعد سقوط أنظمة أو حروب أهلية، جاء تعديل علم موريتانيا عبر مسار سياسي هادئ نسبيًا ركز على إبراز بعد تاريخي في رمزية الدولة، فمنذ أواخر الخمسينيات، استخدمت موريتانيا علمًا أخضر يتوسطه هلال ونجمة باللون الذهبي، وهي دلالة على الإسلام والصحراء وثروات البلاد، وبقي هذا العلم بلا تعديل قرابة سبعة وخمسين عامًا.
في عام 2016، تم اقتراح تعديل رمزي على العلم في إطار حوار وطني بمبادرة من الرئيس محمد ولد عبد العزيز، من أجل تكريم تضحيات الموريتانيين في حروب الاستقلال والدفاع عن الوطن، حيث تقرر إضافة شريطين أفقيين باللون الأحمر أعلى وأسفل العلم، ليرمزا إلى الدماء والتضحيات في سبيل حماية البلاد.
تم إدراج التعديل ضمن حزمة إصلاحات دستورية شملت أيضًا تغيير النشيد الوطني، وعُرض في استفتاء شعبي في 5 أغسطس 2017، حيث وافق حوالي 86 بالمئة من المصوتين، مع نسبة مشاركة تجاوزت 54 بالمئة رغم مقاطعة جزء من المعارضة.
قام البرلمان باعتماد الصيغة الجديدة، ورفع العلم المعدل رسميًا لأول مرة في 28 نوفمبر 2017، في ذكرى الاستقلال، مع الحفاظ على الخلفية الخضراء والهلال والنجمة باللون الذهبي، لكن مع إضافة إطار أحمر يخلد في الخطاب الرسمي تضحيات “الشهداء” والمقاومين ضد الاستعمار.
البحرين: تعديلات بسيطة بدلالات كبيرة
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، العلم البحريني القديم والذي تغير بعد عام 2002.
لم يرتبط تعديل علم مملكة البحرين بانقلاب أو حرب أهلية، بل جاء عام 2002 في إطار تعديل شكل العلم ومنح رموزه وضوحًا أكبر، يتكون العلم تقليديًا من لونين، الأحمر والأبيض، يفصل بينهما عند السارية حد مسنن، وقد كان هذا الحد يظهر أحيانًا بخط مستقيم أو بعدد غير موحد من المثلثات.
في 14 فبراير 2002، وبعد إقرار ميثاق العمل الوطني الذي حول البلاد من “دولة البحرين” إلى “مملكة البحرين”، صدر مرسوم ملكي اعتمد الشكل الحالي للعلم، محددًا أن يكون الفاصل مكونًا من خمسة مثلثات بيضاء واضحة، تُفسَّر هذه الرؤوس الخمسة حاليا كإشارة إلى أركان الإسلام الخمسة.
يُنظر إلى الأحمر كتعبير عن تاريخ المعارك والتضحيات، بينما الأبيض يُعتبر رمزًا للسلام، وجاء تثبيت العلم بهذه الصيغة ضمن عملية تحديث رمزية رافقت الانتقال الدستوري في مطلع الألفية.
أسهم العلم الجديد أيضًا في تمييز البحرين عن علم قطر القريب في الفكرة، الذي يحمل لونًا أغمق يميل إلى البنفسجي.
قصص أخرى
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، تغييرات الأعلام تعكس تحوّلات أعمق من مجرد ألوان… هي إعادة تشكيل للهوية.
إلى جانب الحالات البارزة في المنطقة، شهدت دول عربية أخرى تعديلات متباينة على أعلامها خلال العقود الماضية.
في جزر القمر، تم اعتماد علم جديد عام 2002، يتكون من أربعة أشرطة أفقية تمثل الجزر الأربع، مع مثلث أخضر يضم هلالاً وأربع نجمات بيضاء، في خطوة جاءت ضمن تسوية أنهت اضطرابات انفصالية وأعادت التأكيد على وحدة الدولة وتنوعها.
في سلطنة عمان، تم تعديل تقني عام 1995 على نسب العلم وأبعاده لتوحيد المقاييس، دون تغيير في الألوان أو الشعار المعروف.
أما اليمن، فعتمد علمه الحالي مع إعلان الوحدة عام 1990، وهو مكون من ثلاثة أشرطة أفقية بالأحمر والأبيض والأسود.
أما شكل علم السعودية المتعارف عليه، فقد ثبت في عام 1973، حين تم تصميم الراية الخضراء التي تحمل الشهادتين فوق سيف أبيض، واستمر هذا الشكل دون تعديل حتى اليوم.
