واشنطن – تسعى الإدارة الأميركية في الفترة الأخيرة لتعزيز جهودها الدبلوماسية، لدفع القاهرة وتل أبيب نحو تجاوز التوتر المتصاعد بينهما، بهدف إعادة ضبط العلاقة بين هذين الحليفين الإقليميين، اللذين تُعتبر استقرارهما ركيزة أساسية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وتأتي هذه الإجراءات في ظل خلافات عميقة نشأت بفعل حرب غزة، وما رافقها من تحركات عسكرية مصرية في سيناء، والتي اعتبرتها إسرائيل بمثابة رسالة اعتراض مباشرة على ممارساتها في القطاع ومحيطه، ووفقًا لموقع “اكسيوس” الذي اعتمد على مصادر أميركية وإسرائيلية مطلعة، فإن واشنطن تعمل على خلق بيئة سياسية مناسبة لعقد لقاء يجمع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو لقاء لم يتم منذ اندلاع حرب غزة قبل أكثر من عامين، بحيث ترى الإدارة الأميركية أن غياب قنوات الاتصال المباشرة بين الطرفين ساهم في تعقيد إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية المشتركة، مما يدفعها اليوم لاستخدام أدوات الضغط والحوافز الاقتصادية من أجل إعادة فتح المسار السياسي بينهما، وأشارت المصادر إلى أن الولايات المتحدة تضع في مقدمة شروطها موافقة إسرائيل على إبرام صفقة استراتيجية كبرى للطاقة مع مصر، وتضغط واشنطن على حكومة نتنياهو للتوقيع على اتفاق يضمن استمرار تصدير الغاز الإسرائيلي إلى القاهرة ضمن إطار طويل الأمد، تصل قيمته التقديرية إلى نحو 35 مليار دولار حتى عام 2040، وتعتبر الإدارة الأميركية أن قبول إسرائيل بهذه الصفقة سيكون خطوة أولى لكسر الجمود مع مصر وتهيئة المناخ لعقد القمة المقترحة، وتتولى إسرائيل، وفقًا للمطلعين، التعامل مع ملف الغاز كورقة سياسية واقتصادية قابلة للاستثمار في ظل التباعد الحاصل مع القاهرة، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من الغاز المستخرج من حقول البحر المتوسط يصل إلى مصر عبر خط أنابيب بحري، حيث يُُعاد استخدامه محليًا أو يُسَيَّل في محطتي إدكو ودمياط للتصدير نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية، وإزاء هذا الإدراك الأميركي لأهمية هذا الملف للطرفين، تكثف واشنطن ضغوطها على تل أبيب لإبداء مرونة تسمح بتوقيع الاتفاق ودفع القاهرة نحو استئناف مسار الحوار مع الحكومة الإسرائيلية، وعلى الجانب الآخر، تتعامل مصر بحساسية كبيرة مع التطورات الإقليمية المرتبطة بالحرب في غزة، وقد انتقدت بشكل علني ما اعتبرته محاولات إسرائيلية لفرض وقائع ديموغرافية جديدة من خلال الضغط على الفلسطينيين للنزوح نحو الأراضي المصرية، كما عززت القاهرة من حضورها العسكري في سيناء، في خطوة اعتبرتها واشنطن نابعة من هواجس أمنية مشروعة، لكنها أثارت قلق القيادة الإسرائيلية التي رأت فيها مؤشرًا إضافيًا على تدهور الثقة بين البلدين، وفي إطار أوسع، تدرس الإدارة الأميركية إطلاق مجموعة من المبادرات الاقتصادية تستهدف دولًا عربية أخرى، بما في ذلك لبنان وسوريا، في مجالات التكنولوجيا والطاقة، في سياق مساعٍ أوسع لربط هذه الدول بشبكات تعاون قد تؤدي لاحقًا إلى خطوات تطبيع مع إسرائيل، وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع جهود واشنطن لإقناع السعودية بالتحرك نحو التطبيع، رغم استمرار تمسك الرياض بشرط قيام دولة فلسطينية مستقلة كمدخل لأي تفاهمات نهائية، وتعتبر الولايات المتحدة أن تنشيط المسار الاقتصادي يمكن أن يشكل حافزًا إضافيًا للدول العربية للانخراط في ترتيبات سياسية جديدة، وهو النهج الذي لقي تأييدًا من بعض الدوائر داخل الإدارة الأميركية، ونُقل عن جاريد كوشنر، أحد المستشارين البارزين للرئيس الأميركي، قوله إن إسرائيل تحتاج إلى “دبلوماسية اقتصادية” تشرك القطاع الخاص في أي مسار سلام مقبل، مما يجعل المكاسب المتوقعة ملموسة وسريعة التأثير، وتشير مصادر دبلوماسية أميركية إلى أن جزءًا من إصرار واشنطن على عقد قمة مصرية–إسرائيلية يعود إلى رغبتها في تجاوز تداعيات رفض نتنياهو سابقًا حضور قمة دولية حول غزة استضافتها شرم الشيخ، وهو قرار اعتُبر حينها رسالة سياسية واضحة للقاهرة، وأدى إلى تعميق الهوة بين الطرفين، وترى الإدارة الأميركية أن استمرار هذا الجمود ينعكس سلبًا على دور مصر الإقليمي وعلى جهودها لإرساء وقف دائم لإطلاق النار في غزة، وفي ضوء هذه التطورات، تبرز واشنطن كمستعدة لاستخدام مزيج من الضغط السياسي والاقتصادي لتخفيف التوتر في العلاقات المصرية–الإسرائيلية، باعتبار أن أي تقارب بينهما يشكل نقطة ارتكاز أساسية في رؤية الولايات المتحدة لمستقبل الأمن الإقليمي ومسار التسوية في المنطقة.
