العربي الجديد: عبَر نحو 1.5 مليون سوداني إلى مصر منذ اندلاع الحرب، إلا أنهم واجهوا حملة قمع متصاعدة، أكّدتها منظمة “ذا نيو هيومانيتاريان” و”منصة اللاجئين في مصر”، حيث وثّقتا أكثر من 850 حالة ترحيل، معظمها لسودانيين، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، وأوضحت المنظمتان في تقريرهما، أن هذا الرقم يمثل جزءاً صغيراً من أكثر من 20 ألف لاجئ سوداني رُحِّلوا على الأرجح العام الماضي، كما وثّق أرشيف قضايا “منصة اللاجئين في مصر” احتجاز 687 طالب لجوء سوداني بين إبريل/نيسان وأغسطس/آب، في ثلاث مناطق رئيسية، بالإضافة إلى 1560 آخرين احتُجزوا ورُحِّلوا منذ أغسطس/آب.
زيادة عمليات الترحيل
وفي شهادة صادمة، قال مسؤول أمني مصري إن أكثر من 2000 سوداني يُنقلون أسبوعيًّا من مراكز الشرطة في القاهرة إلى أسوان، القريبة من الحدود السودانية، وفي المقابل، يواجه اللاجئون صعوبة في الحصول على تصاريح الإقامة، حيث تم تأجيل بعض مواعيد التسجيل الحكومية إلى عام 2029، حسب التقرير.
الإغلاق التعليمي
أما على صعيد التعليم، فقد أمرت السلطات المصرية بإغلاق ما لا يقل عن 46 مدرسة تابعة للمجتمع السوداني العام الماضي، وفي حادثة وثقتها وثيقة داخلية، أظهرت وزارة الداخلية المصرية ترحيل ما يقرب من 200 سوداني، بينهم نساء وأطفال، من مطروح في يوم واحد في سبتمبر/أيلول، حسب التقرير.
تصعيد الترحيل غير القانوني
التقرير الصادر عن المنظمتين، والذي يعتبر جزءًا من تحقيق مُتابِع، صادر في إبريل/نيسان 2024، أكّد تصعيد وتيرة عمليات الترحيل غير القانونية وواسعة النطاق للاجئين السودانيين الفارين من الحرب، والتي نفذتها الحكومة المصرية مستخدمة شبكة من مواقع الاحتجاز السرية، كما اعتمد التقرير على معلومات جمعها على مدار عام، ودقّق في الانتقادات المتزايدة التي وُجِّهت إلى رد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، المحدود والصامت.
اقتباسات المنظمات
قالت المنظمتان: “تسارعت وتيرة ترحيل اللاجئين السودانيين خلال الاثني عشر شهراً الماضية، مما أدى إلى تصعيد حملة القمع التي كشفت عنها التحقيقات المشتركة التي صدرت العام الماضي، حيث عبَر نحو 1.5 مليون سوداني إلى مصر منذ اندلاع الحرب، إلا أنهم واجهوا اتهامات من قبل السياسيين في خضم أزمة اقتصادية متفاقمة”، وكشفت المنظمتان، أن عمليات ترحيل غير قانونية واسعة النطاق لآلاف السودانيين كانت تجري سرًّا، بما ينتهك اتفاقيات اللاجئين الدولية التي صدَّقت عليها مصر.
التصعيد المستمر
وثقت المنظمتان وثائق مسرَّبة وشهادات، أشارت إلى تصعيد إضافي في حملة الترحيل، فضلًا عن احتجاز وترحيل عدد أكبر بكثير من اللاجئين السودانيين، حيث نفذت الأجهزة الأمنية عمليات تمشيط وتوقيف ليس فقط في المناطق الحدودية، بل أيضًا في عمق المدن الكبرى، واستهدفت السلطات المبادرات التي قادها اللاجئون، بما في ذلك إغلاق عشرات المدارس التي أدارها سودانيون.
صمت المفوضية وتأثيره
في سياق متصل، تعهَّد الاتحاد الأوروبي بتقديم مبالغ كبيرة إلى مصر مقابل كبح الهجرة إلى أوروبا، في اتفاق يعتبره النقاد خطرًا على جعل الاتحاد شريكًا في الانتهاكات التي ترتكبها الحكومة المصرية، ولم ترد الحكومة المصرية على طلبات التعليق، كما تتلقى المفوضية تمويلًا كبيرًا من الحكومات الأوروبية، مما يُرى على أنه ضغط سياسي عليها لتجنب انتقاد مصر علنًا لعمليات الترحيل.
عمليات الترحيل قبل الحرب
بحسب التقرير، كان السودانيون وغيرهم من اللاجئين في مصر يواجهون عمليات ترحيل وانتهاكات أخرى حتى قبل الحرب الحالية، حيث بدأت عمليات الترحيل في الارتفاع في أواخر عام 2023، ثم تسارع هذا الاتجاه بعد اعتماد أول قانون وطني للجوء في مصر العام الماضي، والذي اعتُبر محفزًا للسلطات للحد من الحماية الممنوحة للاجئين.
وصف الإجراءات
وصف ناشط حقوقي مصري حجم عمليات الترحيل بـ “غير مسبوق” في تاريخ مصر الحديث، حيث قال معظم اللاجئين الذين تحدثوا إلى المنظمتين إنهم احتُجزوا ورُحّلوا بسبب عدم حصولهم على تصريح إقامة ساري المفعول، وهو شرط يصعب تحقيقه بسبب التراكم الكبير في طلبات التسجيل الحكومية، التي تم تأجيل بعض مواعيدها إلى عام 2029، كما تعرض اللاجئون للاحتجاز والترحيل حتى مع حيازتهم وثائق من المفوضية، ووصف بعضهم حالات تم فيها مصادرة بطاقاتهم عند احتجازهم.
قرارات حكومية مأساوية
أمرت وثيقة حكومية، أشار إليها التقرير، بترحيل ستة لاجئين، أربعة منهم مسجلون لدى المفوضية، وأمرت السلطات بمصادرة بطاقات المفوضية والتأكد من توقيع اللاجئين على إقرارات تفيد بأنهم يغادرون “طواعية”، ورأى محامٍ في هذه الإجراءات “جهدًا منهجيًا لإلغاء الحماية القانونية الممنوحة لهم”.
تدهور الأوضاع لدفع اللاجئين للهجرة
بخلاف ذلك، فقد أدى تدهور الأوضاع بالنسبة للاجئين إلى دفع السودانيين إلى الانتقال إلى ليبيا، حيث قفز عدد الذين واصلوا رحلتهم إلى أوروبا بشكل كبير في الأشهر الأولى من عام 2025، وتم اعتقال مئات السودانيين الذين حاولوا الوصول إلى ليبيا، ووصف المعتقلون ومحاموهم للاجئين الاكتظاظ الشديد واحتجازهم لشهور دون محاكمة عادلة، وترحيلهم في النهاية إلى السودان.
حملات الاعتقال في المدن
امتدت حملة القمع إلى المدن، حيث حدثت عمليات احتجاز عند نقاط التفتيش ومحطات المترو، تم اعتقال وترحيل صبي سوداني يبلغ من العمر 17 عامًا كان مسجلاً لدى المفوضية، مما أدى إلى فصله عن والديه، وفي حادثة أخرى، تم احتجاز وترحيل صبي سوداني يبلغ من العمر 15 عامًا، كان يعيش في مصر منذ طفولته، حيث رُحِّل مع مجموعة من الطلاب إلى دولة جنوب السودان، كما استُهدفت مؤسسات اللاجئين السودانيين، وفقًا للتقرير.
ردود فعل المفوضية
واجهت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين انتقادات بسبب ردها على عمليات الترحيل، حيث تمنع السلطات المصرية المفوضية من الوصول إلى مراكز الاحتجاز، مما يجعلها “عمياء فعليًّا”، وقدرتها على التدخل شبه معدومة، وصف مدير إحدى المنظمات المدافعة عن اللاجئين بيانات المفوضية بشأن العودة القسرية بأنها “ضعيفة للغاية”، كما أدى الوجود المحدود للمفوضية على الحدود وتأخير التسجيل في مكتب القاهرة إلى اشتعال “السوق السوداء” للرشوة للحصول على مواعيد مبكرة.
اختراق أمني واتجاهات السخط
ذكرت مصادر للمنظمتين، أن أداء المفوضية لمهامها الأساسية في الحماية لم يكن جيدًا، حتى مع الأخذ في الاعتبار القيود، حيث ظل النظام غامضًا وآليات الحماية عديمة الفعالية، وأشار منصور، الذي كان يدير مدرسة الجالية السودانية، إلى تأخر رد المفوضية على رسالة عائلته بعد احتجازه، حيث جاء الرد المفصل بعد أسابيع، وعندها كانت إجراءات ترحيله قد تم تجهيزها بالفعل دون أن يرى محامياً.
معاناة نازحين سودانيين
وزعم موظف حالي رفيع المستوى في المفوضية أن أجهزة الأمن قد تسللت إلى الوكالة، وأن بعض الزملاء تحت الضغط حثوا آخرين على إسقاط تقارير عن حالات احتجاز، أو منعوا شكاوى حسّاسة تتعلق بانتهاكات حكومية، وأعرب لاجئون ونشطاء آخرون عن مخاوف من اختراق عمليات المفوضية من قبل الأجهزة الأمنية، مستشهدين بحالات تم فيها احتجاز لاجئين بعد فترة قصيرة من زيارتهم لمكاتب المفوضية.
انتقادات متزايدة
واتهمت مصادر عدة، تواصلت معها المنظمتان، المفوضية، بعدم انتقاد عمليات الترحيل علنًا، أو مواجهة الحكومة المصرية، ورأى بعضهم أن صمتها يعد شكلًا من أشكال التواطؤ، حيث قال محامٍ إن المفوضية: “بالتزامها الصمت تجاه الانتهاكات الواضحة لقانون اللجوء، لا تهمل ولايتها فحسب، بل تصبح شريكة في الجريمة”، ولم يجد تحليل أجراه صحافيون للبيانات العامة الصادرة عن المفوضية في مصر على مدى العامين الماضيين أي إشارة إلى عمليات الترحيل.
