«ضغط مضاد في عدن يهدد بإنهاء ما تبقى من “الوحدة” مع الشمال»

«ضغط مضاد في عدن يهدد بإنهاء ما تبقى من “الوحدة” مع الشمال»
  • لا عداء مع “درع الوطن” لكن المرحلة تتطلب النأي بانتصارات الجنوب عن التجاذبات.
  • دولة الجنوب خط الدفاع الأول ضد التهديدات الإيرانية والإخوانية.
  • تحرير حضرموت يضع السعودية أمام واقع جديد، الجنوب شريك استراتيجي لا غنى عنه.

تحرير وادي وصحراء حضرموت في مساريه “استعادة السيادة الجنوبية وضرب معاقل الإرهاب”، وما تلاه من تحولات ميدانية فرضتها القوات المسلحة الجنوبية، كل ذلك أعاد رسم خريطة النفوذ على الأرض، ووضع التحالف العربي أمام معادلة جديدة تستدعي قراءة هادئة وواقعية تتجاوز الحسابات الضيقة والضغوط العابرة.

الجنوب وشرق اليمن

في يوم الأربعاء الماضي، أسقطت القوات المسلحة الجنوبية آخر وأهم مواقع جماعة الإخوان المسلمين في وادي حضرموت، وأنهت بذلك هيمنة المنطقة العسكرية الأولى، التي تحولت لعقود إلى وكر للإرهاب والتهريب، وممر لزعزعة أمن اليمن والمنطقة، وبانهيار هذه المنطقة تهاوت منظومة كاملة اعتمد عليها الإخوان لتوجيه ضربات أمنية وسياسية ضد الجنوب ولخلق ثغرة جيوسياسية تهدد أمن التحالف نفسه.

لم تتوقف العملية عند حدود سيئون، فمع ساعات المساء تقدمت القوات الجنوبية نحو العبر والوديعة، واستعادت السيطرة على هذه النقاط الحساسة التي لطالما استغلها الإخوان والحوثيون لتمرير السلاح والمال والأفراد، وفي اليوم التالي، انتقلت العمليات إلى محافظة المهرة، حيث نجحت القوات الجنوبية في تأمين معسكرات ومؤسسات أمنية خلال وقت قصير، مؤكدة قدرتها على التحرك المنظم السريع والمستند إلى قرار سياسي موحد.

هذا التمدد الميداني كان ترجمة لرؤية واضحة مفادها أنه لا يمكن لأي مشروع استقرار في اليمن والمنطقة أن ينجح ما لم يتم تجفيف منابع الفوضى شرق البلاد، وقطع شبكات التهريب والارتباطات العقائدية التي تقودها جماعات عابرة للحدود.

ارتباك لدى التحالف

التحرك الجنوبي الواسع أثار ارتباكًا ملحوظًا لدى بعض أطراف التحالف العربي، التي بدأت بضغوط يمنية داخلية بالدعوة إلى انسحاب القوات الجنوبية وتسليم المناطق التي سيطرت عليها لقوات “درع الوطن”، غير أن هذه الدعوات قوبلت برفض سياسي وشعبي واسع في الجنوب، لأنها ببساطة تتناقض مع الواقع على الأرض.

فكل الأطراف الجنوبية ترى أن قوات درع الوطن كانت موجودة في حضرموت والمهرة منذ سنوات دون أن تحرك ساكنًا تجاه الإرهاب والتهريب، فلماذا تُطالب القوات الجنوبية بالانسحاب بعد أن أنجزت ما لم تنجزه أي قوة أخرى؟، ولماذا يُراد إعادة تمكين قوى لم تكن فاعلة، على حساب قوة هي الوحيدة التي قدّمت دماءً وتضحيات في مواجهة المشروع الحوثي والإيراني؟

هذا الالتباس في الموقف لا ينسجم مع متطلبات الأمن الإقليمي، ولا مع التضحيات المشتركة التي قدمها الجنوب إلى جانب التحالف منذ عام 2015.

لا عداء مع درع الوطن

رغم التحفظات الجنوبية التي أثيرت مؤخرًا حول بعض التحركات المرتبطة بقوات درع الوطن، إلا أنه من الضروري التأكيد، وبأعلى درجات الوضوح السياسي، ألا عداء مطلقًا بين المجلس الانتقالي الجنوبي أو أي قوة سياسية وعسكرية جنوبية وبين قوات درع الوطن، فالجنوب، قيادةً وشعبًا، يدرك أن هذه القوات تتكوّن في معظمها من أبناء الجنوب الذين يحملون نفس الهم الوطني، ويؤمنون، في جوهر تكوينهم، بعدالة القضية الجنوبية وحق شعبها في استعادة دولته؛ لذلك فإن التعامل مع درع الوطن لا يُبنى على أساس الخصومة أو الإقصاء، بل على أساس الشراكة المستقبلية ضمن منظومة أمنية وجيش جنوبي موحد، متى ما استقرت الأوضاع، وتم ترتيب الملف العسكري بما يتسق مع مشروع الدولة.

المرحلة الراهنة هي مرحلة تجاذبات حادة، ومحاولات مكثّفة من أطراف يمنية وإقليمية لاختراق الصف الجنوبي أو تفكيك بنيته العسكرية التي تحمي مشروع استعادة الدولة، إدراكًا من تلك الأطراف أن الجنوب، إذا اكتمل مشروعه وبسط سيطرته على كامل أراضيه، فسيغدو قوة مستقرة عصية على التوظيف السياسي، وغير قابلة للابتزاز أو الابتلاع؛ ولهذا فإن استخدام بعض القوى لاسم “درع الوطن” لا ينبغي أن يُفهم بأنه يمثل موقفًا لهذه القوات نفسها، بل هو انعكاس لصراع القوى التي ترى في الجنوب خطرًا على مشاريعها القديمة وأطماعها في إعادة الهيمنة أو إعادة الغزو والاحتلال ثانية.

من هنا فإن الحكمة السياسية تقتضي أن يُستكمل أولًا تحرير كامل أرض الجنوب وبسط السيادة عليها وفرض واقع جديد لا يمكن الرجوع عنه، لأن أي مشروع دولة لا يُبنى على المجاملات ولا على التردد، بل على تمكين الواقع الميداني وجعل القرار السياسي انعكاسًا لقوة متماسكة على الأرض، وكل قوة جنوبية، سواء درع الوطن أو غيرها، تؤمن بمشروع الجنوب فهي مرحّب بها شريكًا أصيلًا في المرحلة القادمة، ضمن جيش وطني جنوبي موحد، تحكمه العقيدة العسكرية للدولة الجنوبية القادمة، لا ولاءات متباينة ولا أجندات متضاربة.

ضغط مضاد في عدن

الضغط على القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة بدأ يرتدّ في عدن، حيث ظهرت مؤشرات واضحة على احتمالية انتقال الأزمة إلى مرحلة أعلى، إذ أن مغادرة قيادات حكومية تابعة للشرعية اليمنية من قصر معاشيق، وانتشار قوات العاصفة الرئاسية (الجنوبية) في أروقة القصر ومداخله، يشير إلى تحوّل مهم في المزاج السياسي الجنوبي.

الجنوبيون اليوم أكثر قناعة من أي وقت مضى بأن استمرار الضغط عليهم سيقودهم إلى اتخاذ خطوات مصيرية قد تطيح بما تبقى من بنية “الشرعية” اليمنية، وقد تُنهي فعليًّا صفحة الوحدة التي فُرضت بالقوة عام 1994، ثم تحولت إلى مظلة سمحت للإخوان والحوثيين بالتغلغل في الجنوب وإضعافه، وهذا التحول لم يكن خيارًا انفعاليًّا، بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمسار سياسي طويل تجاهل مطالب الجنوب وتجاهل دوره الحيوي في الأمن الإقليمي.

الجنوب… قوة واضحة الولاء

في مقابل القوى اليمنية التي تتسم بتعدد الولاءات وتمزق الانتماءات العقائدية والسياسية، يبقى الجنوب ككيان متجانس، له مشروع وطني واضح، وله قوات مسلحة موحدة تلتزم بخط سياسي واحد، وهذه نقطة قوة تشكل حجر الزاوية في أهمية الجنوب للتحالف.

القوات الجنوبية ليست ميليشيا، ولا جماعة عقائدية، ولا تنظيمًا يحركه الخارج بشكل مطلق، هي قوة دولة قيد التشكل، ذات ولاء واحد، ومرتبطة بمشروع سياسي معلن هو استعادة دولة الجنوب.

ومع تزايد مخاطر الميليشيات العابرة للحدود، يصبح وجود قوة جنوبية منضبطة ضرورة إقليمية ومصلحة للطرف الشمالي بكل فصائله التي التهمها الحوثي.

السعودية والعلاقة مع الجنوب

الواقع الأمني في المنطقة يتغير، والتهديدات الإيرانية تتخذ أشكالًا جديدة، من تهريب الطائرات المسيّرة إلى تهريب المخدرات والأسلحة عبر شبكات عابرة للحدود في المهرة وحضرموت، وهنا لا توجد أي قوة يمنية كانت جديرة بالثقة وقادرة على حماية الحزام الأمني الجنوبي للمملكة كما تفعله القوات المسلحة الجنوبية.

استقرار الجنوب واستعادة دولته ضرورة استراتيجية للمملكة لثلاثة أسباب رئيسية:
1. الجنوب هو السدّ الحقيقي أمام التمدد الإيراني والحوثي.
2. القوات الجنوبية هي الوحيدة التي هزمت الحوثي ميدانياً في أكثر من جبهة، وهي التي كسرت شوكته على كامل تراب الجنوب وفي بعض مناطق الشمال.
3. الجنوب هو الضامن الأول تأمين السواحل والممرات البحرية من المهرة حتى باب المندب، وهذا الحزام يشكل العمق الاستراتيجي المباشر للمملكة، ومن الخطأ تركه في يد قوى يمنية رخوة أو ذات ولاءات خارجية.

4. قيام دولة جنوبية مستقرة هو الطريق الوحيد لإنهاء الصراع المزمن في اليمن، الوحدة المفروضة بالقوة لم تعد قابلة للحياة، وكل محاولات إنعاشها ستكون عبئاً على التحالف وعلى المنطقة.

لماذا الخوف من الجنوب؟

السؤال الذي يطرح نفسه في دوائر التحالف هو: لماذا تخشى بعض الأطراف تنامي قوة الجنوب؟، والجواب بسيط، لأن الجنوب يمتلك مشروعًا سياسيًّا واضحًا، وجيشًا موحدًا، وارتباطًا صادقًا بالتحالف العربي، ولم يدخل في مساومات مع الحوثيين أو إيران، ولم يغير موقفه يومًا منذ 2015.

القوات الجنوبية ليست منافسًا لأحد، بل شريك موثوق، ووجودها القوي يخدم أمن المملكة والمنطقة.

شريك لا يمكن تجاوزه

الخلاصة التي ينبغي أن تصل إلى غرف القرار في التحالف هي أن الجنوب لا يمثل تهديدًا، بل يمثل ركيزة استقرار، والتعامل مع الجنوب كقوة مؤقتة أو كطرف يمكن تجاوزه هو خطأ استراتيجي كبير قد تعود كلفته على الجميع.

الواقع في اليمن أمام حقيقتين لا يمكن إنكارهما:

الحقيقة الأولى: الجنوب فرض نفسه على الأرض، عسكريًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا.

الحقيقة الثانية: استقرار المملكة وحدودها الجنوبية والشرقية مرتبط مباشرة باستعادة دولة الجنوب وقدرتها على ضبط أراضيها وسواحلها ومنافذها.

وعليه فإن إعادة صياغة العلاقة بين التحالف والجنوب هو مصلحة سعودية وخليجية بالدرجة الأولى قبل أن تكون مصلحة جنوبية، فالجنوب القوي والمستقر هو خط الدفاع الأول ضد التهديدات الإيرانية والإخوانية والحوثية، وهو الشريك الوحيد الذي أثبت ثبات موقفه وصدق التزامه.

دعم القوات الجنوبية وتمكينها سياسيًّا وعسكريًّا ليس مجاملة لأحد، بل خطوة ضرورية لحماية المنطقة ولضمان استقرار اليمن وإعادة تشكيل معادلة الأمن الإقليمي على أسس واقعية وصحيحة، والواقع يؤكد ويثبت أن دولة الجنوب القادمة ليست خطرًا على أحد، بل هي بوابة الاستقرار، وهي السياج الحقيقي الذي سيحفظ للمملكة أمنها، ويغلق إلى الأبد أبواب الشر القادمة من حدود اليمن الشرقية والجنوبية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *