في صباح مؤلم، ودعت الأوساط الأكاديمية والإسلامية عملاقاً من عمالقة التعليم العالي السعودي، حين انتقل إلى رحمة الله الدكتور محمد بن علي العقلا، الذي أفنى 36 عاماً من عمره في خدمة العلم والتعليم الإسلامي، وقد شكل رجل واحد عقول آلاف الطلاب في أهم جامعتين سعوديتين، وترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الاقتصاد الإسلامي، ويستعد المسجد الحرام اليوم لاستقبال جنازة هذا العالم الجليل عصر هذا اليوم، في مشهد يجسد عظمة الرجل ومكانته.
تتحدث تفاصيل اللحظات الأخيرة عن نهاية مسيرة حافلة، حين فارق الفقيد الحياة صباح الثلاثاء، ليترك وراءه إرثاً علمياً وإدارياً تمتد جذوره عبر 9 مناصب قيادية، بدءاً من معيد وصولاً إلى مدير للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لمدة 9 سنوات، وعلّق أحمد الحربي، طالب دكتوراه سابق، بعينين دامعتين: “فقدنا أباً أكاديمياً كان يفتح بيته ومكتبته لكل طالب علم، ويعاملنا كأبنائه”، وأرقام المسيرة تتحدث عن نفسها: 6 سنوات متتالية كوكيل للدراسات العليا، وتجديد ثقة ملكية بأمرين كريمين، في دليل على التميز والكفاءة النادرة.
قد يعجبك أيضا :
تعود جذور هذه المسيرة الناجحة إلى عام 1401هـ، عندما بدأ الفقيد رحلته العلمية كمعيد بعد حصوله على بكالوريوس الاقتصاد، ليخطو خطواته نحو النجاح درجة درجة حتى نال الدكتوراه في الاقتصاد الإسلامي عام 1409هـ، ومسيرته تشبه في تدرجها وثباتها الشجرة الوارفة التي تنمو ببطء لكنها تترك ظلالاً وثماراً تدوم أجيالاً، فيما يتذكر د. عبدالله المالكي، زميله بجامعة أم القرى: “كان مثالاً في التواضع رغم علو مكانته العلمية، يحضر الاجتماعات قبل الجميع ويغادر بعد الجميع”، هذا النموذج القيادي جعله يحصل على الأستاذية عام 1421هـ، ويصل إلى قمة هرم الإدارة الأكاديمية.
قد يعجبك أيضا :
لن يقتصر تأثير رحيل الدكتور العقلا على دوائر الأكاديميين فحسب، بل سيمتد ليشمل كل من تلمس على يديه العلم والمعرفة، حيث قال محمد التميمي، باحث في الاقتصاد الإسلامي، بحرقة: “كانت أبحاثه منارة لكل من يدرس النظام المالي الإسلامي، علمنا كيف نربط بين الأصالة والمعاصرة”، هذا الإرث العلمي الثري سيستمر في إلهام الأجيال القادمة من الباحثين والأكاديميين، فيما تبقى مؤسساته التعليمية شاهدة على عطائه المتواصل، والفرصة اليوم أمام طلابه وزملائه للاقتداء بنموذجه في الجمع بين التميز العلمي والقيادة الحكيمة، وتحويل الحزن إلى دافع للاستمرار على نهجه.
قد يعجبك أيضا :
بينما تستعد مكة المكرمة لتوديع هذا العالم الجليل، تظل تساؤلات مهمة تحتاج إلى إجابات عملية: كيف سنحافظ على الإرث العلمي الثري الذي تركه؟ وكيف يمكن أن نستفيد من تجربته القيادية الفريدة في صناعة جيل جديد من القادة الأكاديميين؟ إن أفضل تكريم لذكرى الدكتور العقلا هو الاستمرار في مسيرة العطاء التي بدأها، وتحويل دروس حياته إلى منهج عملي يُدرّس في قاعات الجامعات، إنا لله وإنا إليه راجعون.
