في زاوية مظلمة تُظلل قامةً طالما أبدعت في إضاءة قلوب المصريين بالبهجة، يعاني المعلم حسن شحاتة، أحد أبرز أعمدة الكرة المصرية، من وعكة صحية أثارت شغف محبيه، وذابت حدود الانتماءات اللونية الصارمة.
فما إن انتشر خبر اعتلال صحة القائد التاريخي وصاحب ثلاثية أمم أفريقيا مع المنتخب، حتى تلاشت الألوان الجماهيرية، ولم يعد للساحة الكروية المصرية سوى لون واحد، لون الدعاء والوفاء.
حسن شحاتة.. قصيدة كروية مبهجة
حسن شحاتة، المولود في 19 يونيو 1947، ليس مجرد اسم في سجلات الكرة المصرية، بل هو قصيدة كروية بدأت فصولها الذهبية لاعباً هدافاً لامعاً في صفوف نادي الزمالك العريق، وجابت ملاعب الكويت مع كاظمة والعربي، ليتوج بلقب أفضل لاعب في آسيا عام 1970، وهو إنجاز يبرز عظمة موهبة تجاوزت حدود القارة السمراء، لقد كان محظوظاً في مسيرته الكروية، ليصبح، وفقاً لما يراه النقاد، أحد أهم اللاعبين المصريين على مر العصور قبل أن يعتزل مطلع عام 1983.
لكن أسطورته الحقيقية وُلِدت عندما ارتدى المعلم رداء القيادة الفنية، بعد نجاحات في تدريب الأندية، وتُوج ببطولة أفريقيا لمنتخب الشباب عام 2003، تولى قيادة المنتخب الوطني في 2004 ليبدأ عهداً لم تشهد الكرة الأفريقية له مثيلاً.
المدرب التاريخي لمنتخب مصر
لقد كان أطول مدرب شغل هذا المنصب، وقاد مصر في رحلة مجد لا تُنسى: ثلاثية كأس الأمم الأفريقية المتتالية في 2006 و2008 و2010، إنجاز فريد يجعله المدرب الوحيد في القارة الذي حقق هذا اللقب ثلاث مرات متتالية.
بفضل لمساته الساحرة وقيادته الملهمة، ارتقى المنتخب المصري إلى المركز التاسع عالمياً في تصنيف “فيفا”، وهو إنجاز مذهل وضعه ضمن أفضل تصنيفين للقارة السمراء.
وحصد شحاتة جوائز التقدير التي تليق بعمله، إذ نال جائزة الكاف لأفضل مدرب في أفريقيا عام 2008، وصُنّف كأفضل مدرب في 2010، إنه واحد من العظماء في تاريخ التدريب الأفريقي.
اليوم، حين يمر المعلم بوعكته الصحية، تخرج الجماهير من قوقعة الانتماء الضيق، وتتذكر كلماته الصادقة عن فخره بالقلعة البيضاء وعشقه لجماهيرها التي يعتبرها “اللاعب رقم واحد”.
ولكن لحظة الوفاء هذه تثبت أن حسن شحاتة هو انتماء الأمة؛ هو الرابط الوجداني الذي جمع “أولاد البلد” تحت راية واحدة، الدعوات تتوالى من الإسكندرية إلى أسوان، تتضرع إلى السماء بالشفاء لرجل أعاد صياغة المجد الكروي لوطن بأكمله.
المَعْلِم يمر بمرض، لكنه بهذا المرض وحدَ القلوب، ليُثبت أن قامات الوفاء والإنجاز تتجاوز دوامة المنافسة لتستقر في محراب الاحترام الأبدي.
