Published On 6/12/2025
|
آخر تحديث: 12:18 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
في بداية عام 2022، مع تدفق صور تلسكوب جيمس ويب الفضائي إلى الأوساط العلمية، لاحظ الفلكيون نمطاً غير معتاد يتمثل في نقاط صغيرة شديدة الاحمرار، تبدو مضغوطة وكأنها نجوم منفردة، لكنها لا تتصرف كما نعرفه عن النجوم، ولا تظهر كالمجرات البعيدة المعتادة، هذه الأجرام، المعروفة لاحقاً باسم “النقاط الحمراء الصغيرة”، كانت أكثر عدداً مما توقعت النماذج، وكان لونها الأحمر تفسيره الوحيد مرتبطاً بميزة جيمس ويب المهمة، وهي قدرته على الرصد في الأطوال الموجية تحت الحمراء، التي كانت غير متاحة للتلسكوب السابق هابل.
مشكلة تصنيف
مع تزايد البيانات، اتضح أن المشكلة تتجاوز “غرابة لونية”، بل تتعلق بالتصنيف، لفهم أي جسم سماوي، نحن بحاجة إلى نموذج يربط بين مظهره وطيفه الفيزيائي، فالنجوم مثلاً نعرفها بسبب فهمنا للاندماج النووي وسلوك الجاذبية، والمجرات نفهمها بفضل تركيبها النجمي والتاريخ التكويني، لكن هذه النقاط الحمراء الصغيرة لم تنطبق على تصنيفات موجودة، وظهرت تفسيرات مبكرة تشير إلى كونها مجرات فائقة الكثافة ممتلئة بالنجوم المظلمة أو نوى مجرية نشطة محجوبة بالغبار.
النوى المجرية النشطة هي منطقة مركزية للمجرة تضيء بشكل ساطع بسبب وجود ثقب أسود فائق الكتلة، يستهلك الغاز والغبار بشكل أكبر من المعتاد، مما يزيد من إشعاعها، لكن كل تفسير كان يتطلب نظريات معقدة، إما أن هناك معدلات تكوين نجوم وكثافات لم تُر إلا في النوى المجرية، أو أن الثقوب السوداء كانت أكثر عدداً وكتلة مما تسمح به التوقعات المعهودة.
تحليل الضوء
تدخل الأطياف في جوهر هذه القصة، حيث توضح “تحليل ضوء” الجرم السماوي، والذي يقوم العلماء بتفكيكه إلى أطوال موجية ليرصدوا فيه خطوط امتصاص أو انبعاث متميزة، هذه العلامات تكشف تركيب المادة وحرارتها وسرعتها، وتوضح ما إذا كان الضوء صادراً من نجوم أو غاز ساخن حول ثقب أسود، أو محجوب بالغبار، فالصورة توضح الشكل، بينما الطيف يخبرنا بالفيزياء، أخذ العلماء في برنامج “روبيز” الذي قادته آنا دي غراف من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك، أطياف نحو 4500 مجرة بعيدة، عبر حوالي 60 ساعة من الرصد في عام 2024، وعثروا على 35 مثالاً من “النقاط الحمراء الصغيرة”، بما في ذلك جسم شديد التطرف أطلق عليه “الجرف”، لأنه أظهر في طيفه قفزة حادة تشبه حافة صخرية.
تقنياً، ما رُصد هو “انقطاع بالمر”، وهو سمة طيفية معروفة في المجرات، لكنها ظهرت هنا بصورة أقوى مما تم رصده في مصادر مماثلة، يقع الجرف على مسافة حوالي 11.9 مليار سنة ضوئية، مما يعني أنه نشأ بعد ولادة الكون بنحو مليار إلى ملياري سنة، طيف الجرف لا يتوافق مع أي نموذج معروف للعلماء في فيزياء الكونيات.
سر “الجرف”
عندما تفشل التفسيرات التقليدية، يضطر العلم إلى اقتراح نماذج جديدة للمشهد، وقدم الفريق فكرة مثيرة، وهي “نجم الثقب الأسود”، هذه الفكرة ليست نجمًا بالمفهوم التقليدي (أي لا يوجد اندماج نووي في القلب)، بل نظام تقوده نواة مجرية نشطة وثقب أسود في المركز محاط بغلاف كثيف شبه كروي من غاز الهيدروجين، في هذا السيناريو يمكن للغلاف الغازي الكثيف المضطرب أن يُنتج “الحافة” الطيفية التي حيرت الجميع، مما يجعل الجسم يبدو كنقطة مدمجة شديدة الاحمرار، أقرب إلى طيف “مصدر واحد ساخن” وليس مجرة كاملة.
تبعات مزعجة
إذا كانت هذه الفكرة صحيحة، فإن تبعاتها تشير إلى سؤال أكبر طالما أزعج فلكيي الكون المبكر: كيف نمت الثقوب السوداء الضخمة بهذه السرعة؟ إن وجود مرحلة “مغلفة بالغاز” قد يوفر معدلات ابتلاع أعلى للمادة المحيطة بالثقب الأسود، مما قد يؤدي إلى نمو أسرع، ويتيح تفسير ظهور ثقوب سوداء فائقة الكتلة في الأزمنة المبكرة، لم يتأكد مفهوم “نجم الثقب الأسود” بعد، ولا زالت الأسئلة تدور حول كيفية تشكل الغلاف الغازي، وكيف يستمر رغم أن الثقب الأسود يلتهم مادته ويحتاج إلى تغذية مستمرة، وما مصدر بقية التفاصيل الطيفية التي لا تزال غامضة.
تبدو القصة أشبه بلحظة إعادة ضبط منهجية، فمرصد جيمس ويب لم يقدم فقط صوراً أجمل، بل فتح نافذة طيفية كشفت فئة من الأجرام التي لا نعرف عنها شيئًا حتى الآن، وأدهشت العلماء ببيانات تتعارض تماماً مع توقعاتهم، فهل نحن على أعتاب فيزياء جديدة؟
