موقع الدفاع العربي – 6 ديسمبر 2025: لم تعد مصر تكتفي بدور المشتري للسلاح أو الطائرات، فهي اليوم تتجه نحو مرحلة أكثر تطوراً تقوم فيها بتصنيع المقاتلات الحديثة، وبشكل لافت مع تركيا، منافستها الإقليمية التقليدية. فالمشروع التركي الضخم الذي عملت عليه أنقرة لسنوات، وهو مشروع المقاتلة الشبحية «قآن»، باتت القاهرة شريكاً فيه، لتبدأ قصة جديدة تجمع الدولتين، وتحمل مفاجأة مقلقة لإسرائيل.
قفزة نوعية في المجال العسكري
هذه الخطوة المصرية تمثل قفزة كبيرة نحو دخول “السماء المحرمة”، إذ لطالما اعتُبرت المقاتلات الشبحية من الجيل الخامس رمزاً للسيادة الجوية في العالم، وهذا النوع من الطائرات لا يُباع بسهولة، ولا يُمنح حتى للحلفاء إلا وفق شروط صارمة، ومع ذلك، تقفز مصر اليوم مباشرة إلى قلب هذا النادي المغلق، لا كمشترٍ، بل كطرف في التصنيع والتطوير، وتعود أهمية الخطوة إلى أنها المرة الأولى في التاريخ المصري الحديث التي تنضم فيها القاهرة إلى مشروع دولي لبناء مقاتلة شبحية من الجيل الخامس، ما يعني دخولها عالم التصنيع العسكري عالي التقنية، وتجاوز مرحلة الاستيراد أو التجميع.
تحرر جزئي من الهيمنة الأجنبية
يمكن اعتبار ذلك تحرراً جزئياً من الهيمنة الغربية والروسية، فمصر تمتلك طائرات أمريكية مثل «إف-16» وفرنسية مثل «رافال»، وسعت للحصول على «سوخوي سو-35» الروسية، إلا أن أياً من هذه الطائرات لا يُعد شبحياً بالكامل، كما أنها مرتبطة دوماً بقيود تتعلق بقطع الغيار والذخائر وشروط الاستخدام، أما مشروع «قآن»، فيمنح مصر لأول مرة فرصة الاقتراب من جوهر التكنولوجيا الحديثة، مع احتمال نقل خبرات صناعية وهندسية، خصوصاً أن تركيا تنتج أكثر من 80% من مكونات المقاتلة داخلياً، بما في ذلك الرادارات وأنظمة الحرب الإلكترونية.
رؤية مصرية لتحديث الصناعات الدفاعية
تأتي هذه الشراكة ضمن رؤية مصرية أوسع لتحديث صناعاتها الدفاعية وتوطين التكنولوجيا، في سياق تحول هدفه تحويل البلاد إلى مركز إقليمي لصناعة السلاح، كما تُظهره اتفاقياتها الأخيرة مع كوريا الجنوبية في مشروع مدافع K-9 وطائرات FA-50، ومع إيطاليا في إنتاج الفرقاطات.
استراتيجية الطائرة “قآن”
أما المقاتلة «قآن» نفسها، فهي ليست طائرة جديدة فحسب، بل مشروع تركي طموح لكسر احتكار الطائرات الشبحية مثل الأميركية «إف-35» والروسية «سو-57» والصينية «جي-20»، ووفق التقييمات، تقترب «قآن» في القدرات من «إف-35»، لكنها تتميز بهامش أكبر من الاستقلالية في التطوير والتحديث، وهو ما يتيح لمصر استخدامها بلا قيود سياسية أو عسكرية خارجية، كما تمتلك رادار AESA محلياً يُعد من الأحدث عالمياً، وقادراً على تتبع أكثر من 20 هدفاً في وقت واحد، إضافة إلى منظومات حرب إلكترونية متقدمة يمكنها التشويش على الدفاعات الجوية المعادية، وقمرة قيادة مزودة بخوذة ذكية تمنح الطيار رؤية بانورامية لحظية، وقدرات شبكية تتيح لها التواصل مع المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي، ويأتي تصميمها الداخلي خالياً من نقاط تعليق خارجية، ما يزيد من قدرتها على التخفي.
إنتاج المقاتلة “قآن” في تركيا ومصر
يُتوقع أن يكون الإنتاج الأساسي في منشأة «تي إيه آي» في أنقرة، مع احتمال إنشاء خط إنتاج فرعي في مصر للتجميع أو التصنيع الجزئي، خاصة إذا تضمّن الاتفاق مذكرة خاصة بالتعاون الصناعي على غرار التعاون مع كوريا الجنوبية.
تحول نوعي في القوة الجوية المصرية
ومع دخول مصر هذا المشروع، سيشهد سلاحها الجوي تحولاً نوعياً، إذ يعني ذلك أن أي تهديد جوي معادٍ سيواجه مقاتلات صعبة الرصد، قادرة على المناورة العميقة والاشتباك من مسافات بعيدة، وخلال عقد واحد فقط قد يمتلك سلاح الجو المصري قوة جوية تضاهي الإسرائيلية وربما بعض الدول الأوروبية، ما يمهّد لانتقال العقيدة القتالية المصرية من الدفاع إلى الردع.
أسباب تعاون مصر وتركيا
لكن السؤال الأبرز هو لماذا فتحت أنقرة أبواب هذا المشروع الحساس للقاهرة؟ فالعلاقات بين مصر وتركيا بقيت لسنوات مشحونة بالتوتر والعداء السياسي، قبل أن تبدأ بالذوبان عبر زيارة الرئيس المصري إلى أنقرة عام 2023، ثم استقبال أردوغان له في القاهرة عام 2024، واليوم، لا يعكس انضمام مصر للمشروع مجرد تعاون صناعي، بل خطوة استراتيجية قد تؤسس لتحالف سياسي وعسكري جديد.
أهمية التعاون الإقليمي
تركيا كانت بحاجة إلى حليف قوي إقليمياً، فمشروع ضخم مثل «قآن» لا يمكن أن ينجح دون دعم مالي وسياسي، ودخول مصر يمنح أنقرة نفوذاً داخل واحدة من أهم القوى العربية والإفريقية، ويفتح أسواقاً عسكرية واسعة، كما يخفف من الكلفة العالية للمشروع التي بلغت أكثر من 1.3 مليار دولار للنسخة الأولى، وقد تتجاوز 10 مليارات خلال العقد المقبل مع استكمال تطوير المحرك المحلي، ويعزز التعاون مع مصر القاعدة الصناعية التركية، إذ تمتلك القاهرة بنية تحتية هندسية وإلكترونية يمكن توظيفها لزيادة القدرة الإنتاجية.
رسالة جيوسياسية واضحة
وتحمل هذه الخطوة رسالة جيوسياسية واضحة، فتركيا لم تعد في خصومة مع الدول العربية، ومصر تتحرك ضمن منظومة تحالفات مرنة في عالم مضطرب بعد الحرب الروسية–الأوكرانية وتوترات الشرق الأوسط، وبذلك تنتقل العلاقة بين القاهرة وأنقرة من مربع الخلافات إلى مربع توازن النفوذ أمام إسرائيل وإيران، وربما أمام الغرب نفسه.
معالم التحالف المصري–التركي
وتتزايد المؤشرات على أن ما يجري ليس صفقة عابرة، بل بداية محور جديد يمشل زيارات رئاسية متبادلة، وتعاون في ملف الطاقة والغاز بشرق المتوسط، ومشروعات دفاعية أخرى قيد النقاش، كأنظمة الدفاع الجوي والمسيّرات والتصنيع البحري، وإذا استمرت هذه التطورات، قد يظهر تحالف مصري–تركي يعيد رسم توازنات البحر المتوسط وشمال إفريقيا والبحر الأحمر.
قلق إسرائيلي متزايد
أما بالنسبة لإسرائيل، فقد بدأت بالفعل تشعر بالقلق، وإن بصمت، فمنذ أن حصلت على «إف-35»، تمتعت بتفوق جوي مطلق في المنطقة، لكن دخول مصر إلى عالم المقاتلات الشبحية يهدد هذا التفوق للمرة الأولى منذ عقود، فمصر تقترب من كسر الاحتكار، وتدخل عصراً جديداً من الطائرات غير المرئية للرادار، وأنظمة الحرب الإلكترونية المتقدمة، والضربات العميقة التي يتجاوز مداها 2000 كيلومتر، والتعاون الشبكي مع المسيّرات والدفاعات الجوية، وهذا يعني أن سلاح الجو المصري لن يكون مكشوفاً أو قابلاً للتوقع كما كان في السابق.
استعدادات مصر للردع
وتدرك إسرائيل أن ظهور قوة جوية عربية تمتلك مقاتلات شبحية قد يلغي تفوقها المطلق، وإذا امتلكت مصر عدداً كافياً من مقاتلات «قآن» بحلول 2030، فقد تتمكن نظرياً من تنفيذ ضربات دقيقة في عمق المنطقة مع قدرة على الإفلات من الرصد، لكن القلق الأكبر في تل أبيب ليس الطائرات بحد ذاتها، بل التحالف التركي–المصري المتنامي، الذي قد يقود إلى تعاون استخباراتي أو دفاعي واسع بين ثاني وثالث أكبر جيشين في الشرق الأوسط، ورغم غياب التعليقات الرسمية، فإن الصحف العبرية تتابع هذه التطورات باهتمام، وعلى رأسها «إسرائيل ديفنس»، التي تعتبر المشروع التركي مصدر قلق إستراتيجي.
بناء القوة الجوية المصرية
يوحي التوجه المصري لتحديث منظومته الدفاعية بأكملها بأن القاهرة تبني ذراعاً جوية هدفها الردع المطلق، لردع كل من يفكر بتهديد أمنها القومي أو يظن أن السيطرة على السماء قدر محتوم، ما يحدث اليوم ليس مجرد صفقة عسكرية، بل إعلان عن ولادة قوة جوية جديدة في الشرق الأوسط، ودخول مصر عصر الطائرات الشبحية، وإعادة صياغة ميزان الردع، وكسر احتكار السماء، وإذا اكتمل التحالف المصري–التركي، فإن الشرق الأوسط لن يبقى كما كان، ولن يكون كما تريد إسرائيل.
الإنجاز الجوي لمقاتلة “قآن”
قال رئيس شركة الصناعات الجوية التركية (TAI)، المطورة لأول مقاتلة تركية مصنعة محلياً من الجيل الخامس، إن مشروع الطائرة “قان” يُعد الأكثر نجاحاً على مستوى العالم خلال فترة زمنية قصيرة، مشيراً إلى أن المقاتلة قادرة على الاشتباك مع جميع الطائرات الحالية.
وحملت المقاتلة اسم “قان”، وأجرت رحلتها التجريبية الأولى يوم الأربعاء 21 فبراير 2024، لتشكل خطوة مهمة في جهود تركيا لتحديث قوتها الجوية وتقليل اعتمادها على الخارج، وقد أطلقت تركيا، العضو في حلف الناتو، مشروع TF-X لإنتاج طائرة مقاتلة وطنية في عام 2016، فيما وقّعت شركة TAI اتفاقية مع شركة BAE Systems البريطانية بقيمة 125 مليون دولار في 2017 لتطوير هذه المقاتلة من الجيل القادم.
وأشار تميل كوتيل، رئيس TAI، إلى أن المقاتلة “قان” بقيت في الجو لمدة 13 دقيقة، وبلغت سرعتها 230 عقدة على ارتفاع 8,000 قدم، مؤكداً أن هذه الطائرة ستضع تركيا ضمن قائمة محدودة من الدول القادرة على إنتاج مقاتلة من الجيل الخامس بمواردها الوطنية وبنيتها التحتية التقنية.
وقال كوتيل لقناة TRT Haber العامة: “هذا المشروع هو الأكثر نجاحاً على مستوى العالم في فترة زمنية قصيرة، مقاتلات يوروفايتر، F-16، ورافال أقل تقدماً من الناحية التقنية مقارنة بـ’قان’”، وأضاف: “لقد أحدثت المقاتلة ضجة عالمية لأن أي دولة أخرى لم تتمكن من تحقيق هذا المستوى من الإنجاز والسرعة”.
وأكد أن “قان” ستكون قادرة على الاشتباك مع جميع الطائرات المقاتلة الموجودة، موضحاً: “الوصول إلى الجيل الخامس يعني القدرة على مواجهة جميع الطائرات الحالية”، وأضاف: “كانت الرحلة الأولى حاسمة، فهي منصة بوزن 25 طناً، تشمل جميع أنظمتها من الحاسوب إلى النظام الهيدروليكي ونظام توزيع الطاقة”.
وعُرضت المقاتلة علناً العام الماضي، ويُعد مشروع “قان” الأكثر طموحاً في تاريخ تركيا، حيث ظهرت الطائرة على المدرج لأول مرة وأتمت أول اختبار لتحركها بعد تشغيل المحركات في منتصف مارس عام 2023، ويُخطط لاستخدامها كبديل لأسطول F-16 القديم التابع للقوات الجوية التركية، والذي من المقرر استبداله تدريجياً بدءاً من العقد الثالث من القرن الحالي.
وأشار كوتيل إلى أن الطائرة مصنوعة بالكامل محلياً، قائلاً: “معدات الهبوط والمولد محلية، باستثناء المحرك ومقعد القذف… إنها أعقد منصة هندسية أنتجها الأتراك على الإطلاق”، وأضاف: “اخترنا التكنولوجيا الأكثر تقدماً مقارنة بمقاتلات F-22 وF-35 عند تحديد التقنية”.
وسيتم تشغيل المقاتلة مبدئياً بمحركات General Electric F-110، المستخدمة أيضاً في مقاتلات F-16 من الجيل الرابع، مع خطة لاحقة لاستخدام محركات محلية الصنع في الإنتاج التسلسلي المتوقع بدءه عام 2028. وأكد كوتيل أن وحدة الطاقة المحلية للمقاتلة، التي ستصنعها شركة TUSAŞ Engine Industries (TEI)، قيد التطوير بالتعاون مع شركات في أوكرانيا، مع توقع أن تكون جاهزة مع بدء تسليم الطائرات، وأضاف: “نخطط لتسليم 20 مقاتلة إلى القوات الجوية التركية بحلول 2028”.
وستكون “قان” قادرة على خوض معارك جوية باستخدام أسلحة الجيل الجديد، وتنفيذ ضربات دقيقة من حجيرات أسلحة داخلية عند سرعة تفوق الصوت، مع دعم الذكاء الاصطناعي والشبكات لتعزيز القدرة القتالية، وأشار كوتيل إلى أن العمل جارٍ حالياً لتحويل “قان” إلى مقاتلة من الجيل السادس مستقبلاً.
