Published On 7/12/20257/12/2025
|
آخر تحديث: 21:58 (توقيت مكة)آخر تحديث: 21:58 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
في عالم السياسة، لا مكان للمفارقات العبثية، بل هناك رسائل مشفرة تستدعي التفكيك، فالمشهد السوري يبدو، للوهلة الأولى، عصيًا على الفهم التقليدي: طائرات بنيامين نتنياهو تغير بوحشية وبوتيرة متزايدة ودون ذرائع مباشرة على دولة استقبلت واشنطن رئيسها أحمد الشرع، قبل أسابيع قليلة في البيت الأبيض، وأعتمدتها كشريك رسمي ضمن التحالف الدولي لمحاربة “تنظيم الدولة” (داعش).
إذا كانت دمشق قد تحولت -وفق المعايير الأميركية المستجدة- من خانة “محور الشر” إلى مربع “الشراكة”، فلماذا تصر تل أبيب على التعامل معها بمنطق الحرب المفتوحة؟
الإجابة تكمن في قراءة ما بين السطور: نتنياهو لا يقصف عدوًا تقليديًا فحسب، بل يقصف تحالفًا “عربيًا-أميركيًا” في طور التشكل. لفهم أبعاد هذا التصعيد وتفكيكه منهجيا، يمكن تلخيص الدوافع الإسرائيلية في النقاط الجوهرية التالية:
أولا: قطع الطريق على مسار “التطبيع الأميركي-السوري”
يدرك نتنياهو، وهو الأطول حكما في تاريخ إسرائيل، أن الخطر الوجودي الأكبر على نفوذ دولته ليس الحرب، بل السلام الذي لا تصنعه تل أبيب وتفرضه على الإقليم وفق شروطها بعيدا عن مبدأ تقاطع المصالح. إن التقارب اللافت والمتسارع بين إدارة الرئيس الأميركي ترامب ودمشق، وفتح قنوات اتصال مباشرة بين “البنتاغون” والمؤسسة العسكرية والأمنية السورية، يعنيان تجريد إسرائيل من ميزتها التاريخية بصفتها “الوكيل الحصري” للمصالح الغربية في المنطقة، والقصف الإسرائيلي هو رسالة غير مباشرة لترامب، مفادها: “لا يمكنك تجاوزي والذهاب مباشرة إلى دمشق”، حيث يسعى نتنياهو لتكريس سوريا كمنطقة “غير آمنة” وغير صالحة للشراكة؛ لإجبار واشنطن على إبقاء الملف السوري رهن الرؤية الإسرائيلية حصرا.
ثانيا: نسف “البيئة الاستثمارية” لرؤية ترامب الاقتصادية
من المتعارف عليه أن الرئيس ترامب يتبنى مقاربة قائمة على الصفقات، وأن رؤيته لـ”الشرق الأوسط الجديد” -بالتنسيق مع السعودية وقطر وتركيا- تركز بصورة رئيسية على الجوانب الاقتصادية وموارد الطاقة وخطوط النقل والتقنيات الحديثة الرقمية، هذه الرؤية تتطلب بالضرورة “سوريا مستقرة” لتكون الجسر البري الواصل بين دول الخليج، وتركيا، ومنها إلى أوروبا، صواريخ نتنياهو هنا بمثابة فيتو بالنار ضد هذا الاستقرار، حيث تدرك تل أبيب أن الشركات الأميركية والخليجية لن تغامر بدخول سوق تشتعل فيه النيران، والقصف هو تخريب اقتصادي متعمد لإفشال خطة دمج سوريا في المنظومة الاقتصادية الإقليمية؛ لأن سوريا المزدهرة والمستقلة اقتصادياً ستكون عصية على التطويع الإسرائيلي.
ثالثا: الخشية من “ترتيبات أمنية” متكافئة
تشي التسريبات الواردة من واشنطن برغبة إدارة ترامب في صياغة ترتيبات أمنية شاملة تضمن خروج القوات الأجنبية وضبط الحدود، بينما ترتعد إسرائيل من فكرة أن تكون سوريا طرفًا في اتفاق ترعاه واشنطن؛ لأن ذلك يعني ضمنا أن أي خرق إسرائيلي للأجواء السورية سيُعد خرقًا لترتيبات أميركية، وبالتالي هيبتها ومصداقيتها، لذا، يسعى نتنياهو عبر هذا التصعيد الجنوني إلى تدمير أكبر قدر ممكن من قدرات الدولة السورية، وإضعاف موقفها التفاوضي، وفرض مناطق عازلة منزوعة السلاح تصل إلى دمشق كأمر واقع، قبل أن يفرض عليه ترامب “الستاتيكو” الجديد.
رابعا: تآكل الدور الإسرائيلي الوظيفي في المنطقة
يعيش اليمين الإسرائيلي هاجس فقدان الدور الوظيفي أو إضعافه، فإذا تحالفت سوريا مع السعودية وتركيا وقطر تحت المظلة الأميركية، وحاربت الإرهاب بفاعلية، فما الحاجة الاستراتيجية لإسرائيل؟، مع ارتفاع الكلفة الباهظة لهذا الدور، يقصف نتنياهو لأنه يرى في الرئيس “الشرع” وسوريا الجديدة النقيض الذي قد يحول إسرائيل إلى مجرد دولة عادية في إقليم يعج بدول كبيرة مؤثرة إقليمياً وبدون كلف، هو يقصف ليثبت أنه لا يزال اللاعب الأقوى الذي لا غنى عنه، ويهابه الجميع، حتى لو كان ثمن ذلك إغضاب سيد البيت الأبيض.
خامسا: زرع “أحصنة طروادة” في بنية الدولة الجديدة
الهدف الإسرائيلي ليس حباً في هذه المكونات، بل لضمان وجود عيون لها داخل الجسد السوري الجديد، ولتكون هذه الأطراف بمثابة “حصص إلزامية” في أي تسوية سياسية، وظيفتها الأساسية حماية المصالح الإسرائيلية، وتعطيل أي قرار سيادي مركزي قد يتخذه الحكم الجديد في دمشق، مما يبقي الدولة السورية في حالة تجاذب داخلي دائم يخدم الأمن القومي الإسرائيلي.
الخلاصة
صواريخ نتنياهو ليست موجهة لدمشق فحسب، بل هي رسائل ابتزاز سياسي لواشنطن ومحاولة هندسة خبيثة للدولة السورية، إنها محاولة يائسة من “حليف إستراتيجي قديم” لمنع صعود “شريك جديد” قد يؤثر سلبًا على النفوذ الإسرائيلي في عصر التحولات الكبرى، لكن منطق التاريخ يقول: عندما يقرر قطار المصالح الكبرى و”البيزنس” العالمي الانطلاق، فإن من يقف في وجهه سيُدهس، حتى لو كان “الابن المدلل”، فهل يعي نتنياهو هذه الحقيقة، أم يتجاهلها لتكون سببًا في نهايته السياسية؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
