«علاقة أميركا وإسرائيل الاستثنائية: تحديات البقاء وآفاق المستقبل»

«علاقة أميركا وإسرائيل الاستثنائية: تحديات البقاء وآفاق المستقبل»

Published On 6/12/20256/12/2025

|

آخر تحديث: 14:32 (توقيت مكة)آخر تحديث: 14:32 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

لقد ظلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل رابطة استثنائية على مدى ثلاثة عقود، حيث حافظت الولايات المتحدة على انسجام كامل مع إسرائيل خلال السلم والحرب، مقدمة دعماً دبلوماسياً وعسكرياً غير مشروط لها، انطلاقاً من هذا المفهوم، قامت مجلة فورين أفيرز بإعداد تحليل شامل لأزمة هذه العلاقة، موضحةً أن تلك العلاقة قد تطورت على مر السنين لتصبح استثنائية، تعتمد على دعم غير مشروط وتفضيل غير مسبوق، ولكنها لم تعد قابلة للاستمرار، لكونها تسبب أضراراً سياسية وأمنية وإنسانية للأطراف الثلاثة، وهم الأميركيون والإسرائيليون والفلسطينيون.

اقرأ أيضا

  • مقال طويل بقلم أندريو ميلر.
  • تحليل شامل لعلاقة الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأشارت المجلة، في مقال ميلر، إلى أن هذه العلاقة تعود إلى فترة التسعينيات، حيث اعتقدت واشنطن أن دعمها المطلق لإسرائيل سيحفزها لاتخاذ خطوات نحو السلام، وكان نهجها في العلاقة مع إسرائيل قائمًا على أربعة افتراضات أساسية، أولها أن المصالح الأميركية والإسرائيلية متوافقة في الغالب إن لم تكن متطابقة، وثانيها أن إسرائيل تدرك مصالحها والتهديدات التي تواجهها، وثالثها أن حل أي خلافات بينهما يجب أن يكون بعيداً عن الأضواء، وآخرها أن تستجيب إسرائيل للهواجس الأميركية الكبيرة.

لكن الكاتب أوضح أن العلاقة تطورت مع مرور الوقت إلى نظام يمنح إسرائيل حصانة سياسية وعسكرية، ويضمن لها مساعدات ضخمة بغض النظر عن سياساتها، مع قيام الولايات المتحدة بحمايتها دبلوماسياً في الأمم المتحدة، متجاوزةً القوانين التي تفرضها على دول أخرى، خاصةً فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان.

تكاليف باهظة

وقد كشفت حرب غزة التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أن الاستمرار في هذا النوع من العلاقة يتطلب تكاليف باهظة، حيث فشلت واشنطن في كبح طريقة إدارة إسرائيل للحرب، بسبب طبيعة العلاقة “الاستثنائية” التي تربطها بإسرائيل، وقد استمرت واشنطن في تجنب الضغط الفعلي على إسرائيل رغم قلقها المتزايد من ارتفاع أعداد القتلى المدنيين الفلسطينيين، وأساليب الجيش الإسرائيلي، ولم تقم -كما أشار الكاتب- بإدخال قوانين أميركية تمنع المساعدات العسكرية للدول التي تعرقل الإغاثة، أو ربط المساعدات بشروط واضحة.

إن هذه العلاقة القائمة على نهج محدد بين واشنطن وتل أبيب أصبحت بمثابة نظام يضمن لإسرائيل حصانة سياسية وعسكرية، ويضمن لها مساعدات ضخمة بغض النظر عن السياسات المتبعة، وقد أضرت هذه الاستثنائية بمصالح البلدين، فضلاً عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالفلسطينيين، حيث بدلاً من أن تساهم في ضمان “بقاء إسرائيل” -الهدف المعلن لهذه السياسة- سمح الدعم الأميركي غير المشروط لأشد غرائز القادة الإسرائيليين بالازدهار.

أسفرت مثل هذه السياسات عن زيادة غير مسبوقة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين في غزة، بالإضافة إلى انتشار المجاعة هناك، كما أوضح الكاتب، كما أدت هذه السياسات إلى تنفيذ تل أبيب عمليات عسكرية متهورة في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، مما تسبب في زيادة التوترات الإقليمية وأحدثت مخاطر أكبر في المنطقة.

مخاطر أخلاقية

وعلى الرغم من أن واشنطن ساعدت في تقليل التصعيد، إلا أن علاقتها المترددة مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حددت من نفوذها، وزادت حرية إسرائيل في التحرك -حسب الكاتب- مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وتبنيه مواقف داعمة لجميع قرارات إسرائيل في غزة، مما أدى إلى تفاقم الكارثة الإنسانية.

ومع ذلك، تواجه إسرائيل تداعيات خطيرة بجانب الأضرار التي تحملها الفلسطينيون، تتمثل في عزلة دولية متزايدة، وتراجع غير مسبوق في الدعم الشعبي الأميركي، خصوصاً لدى الشباب، وزيادة التوترات الداخلية نتيجة سياسات حكومة نتنياهو، إلى جانب مخاطر إستراتيجية تتعلق بإيران وغزة والضفة الغربية، وقد دفعت الولايات المتحدة أيضاً ثمناً باهظاً في مكانتها الدولية واستقرارها السياسي الداخلي، حيث استغل خصومها، مثل الصين وروسيا، تراجع صورتها، وزاد الانقسام الحزبي الأميركي بسبب الحرب.

لقد أدت المساعدة غير المشروطة -وفقًا للمجلة- إلى مخاطر أخلاقية على كلا البلدين، حيث لم يعد لدى إسرائيل سبب لتلبية الهواجس والمصالح الأميركية، لأن تجاهلها لم يعد يتسبب في أي عواقب، مما شجعها على اتخاذ مواقف أكثر تشددًا، والتي غالباً ما تتعارض مع المصالح الأميركية وأحياناً مع مصالح إسرائيل نفسها.

بالتالي، توصل الكاتب إلى أن استمرار العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة بالصورة الاستثنائية الحالية يبقي السياسات الإسرائيلية الأكثر خطورة ويعوق سبل الوصول إلى حلول سياسية، مهدداً المصالح الأميركية على الساحة العالمية.

ضرورة استراتيجية وسياسية وأخلاقية

لذا، يقترح المقال نموذجًا جديدًا قائماً على “تطبيع” العلاقة، يتضمن فرض شروط واضحة على المساعدات، وتطبيق القوانين الأميركية والدولية على إسرائيل كما تُطبق على غيرها، وتحديد خطوط حمراء مشتركة، ومنع التدخل في السياسات الداخلية للطرفين، ويرى الكاتب أن هذا التعديل، رغم كونه قد يكون متأخراً، يمثل ضرورة استراتيجية وسياسية وأخلاقية بالنسبة للولايات المتحدة، حيث من شأن علاقة أميركية إسرائيلية طبيعية أن تثمر نتائج أفضل مقارنة بالعلاقة الاستثنائية التي غالباً ما تشجع السلوكيات الإسرائيلية الخطرة وتستنزف النفوذ الأميركي العالمي.

مثل هذا التحول -كما يرغب الكاتب- يمكن أن يمنع خطوات إسرائيلية خطرة مثل ضم الضفة الغربية، ويُسهم في تعزيز التنسيق الفعال تجاه إيران، بالإضافة إلى إعادة بناء مسار سياسي للفلسطينيين، ويُحذر ميلر من أنه في حال عدم إجراء هذه المراجعة، فإن النتائج ستكون وخيمة بالنسبة لجميع الأطراف، وقد يشهد المستقبل انهيار أسس العلاقة إذا استمرت بلا إصلاح، خاصة مع وجود حكومة إسرائيلية متشددة وإدارة أميركية متقلبة.

وقد اختتم أندريو ميلر بالتأكيد على أن إعادة ضبط العلاقة بين البلدين ليست خصومة، بل ضرورة لحماية مصالح الأميركيين والإسرائيليين، ولبدء مسار يمنح الفلسطينيين فرصة لحياة سياسية قابلة للاستمرار.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *