وقبل عام، وصلت فصائل بقيادة الرئيس السوري الحالي، أحمد الشرع، إلى دمشق بعد هجوم مباغت انطلق من معقل المعارضة آنذاك في شمال غرب البلاد، ونجح خلال أيام بالإطاحة بالأسد، الذي حكمت عائلته البلاد لأكثر من خمسة عقود.
دعم طهران للأسد
كانت طهران أبرز داعمي الأسد خلال سنوات النزاع (2011-2024) إذ نشر الحرس الثوري الإيراني مستشارين وقوات في الميدان، وانتشرت أيضًا مجموعات موالية لإيران في سوريا، أبرزها حزب الله اللبناني ومجموعات عراقية وأفغانية لمساندة القوات الحكومية، وقاتل عناصر هذه المجموعات بضراوة، وكانوا يمسكون بمحاور قتالية أساسية في سوريا.
الانسحاب الإيراني
قال ضابط سوري سابق، عمل في أحد المقرّات الأمنية التابعة للحرس الثوري الإيراني في دمشق، لوكالة فرانس برس، من دون كشف هويته خوفًا على سلامته، إنه تلقّى اتصالًا من قيادته الإيرانية في الخامس من ديسمبر 2024، أي قبل ثلاثة أيام من سقوط الحكم السابق، طلبت منه فيه التوجه إلى مقر العمليات في حي المزة فيلات شرقية في العاصمة صباح الجمعة في السادس من ديسمبر 2024 بسبب “أمر هام”، أوضح أن القائد الإيراني المسؤول، المعروف باسم الحاج أبو إبراهيم، أبلغ الحاضرين من ضباط وجنود سوريين، وعددهم نحو 20 شخصًا، فور وصولهم بأنه “بعد اليوم لن يكون هناك حرس ثوري إيراني في سوريا”، مضيفًا في خبر كان له وقع الصاعقة عليهم “نحن مغادرون”، وطلب المسؤول الإيراني، وفق الضابط، من العناصر “إحراق وثائق حساسة وتلفها أمامه، وسحب جميع الأقراص الصلبة من الحواسيب”، بعدها أُبلغوا بأن “كل شيء انتهى، ولن نكون مسؤولين عنكم بعد اليوم، وستصلكم هوياتكم المدنية بعد أيام”، وتابع الضابط “بدا الأمر وكأنه معدّ مسبقًا، لكنه كان مفاجئًا لنا، كنّا نعرف أن الأمور ليست على ما يرام، لكن ليس إلى هذا الحد” في وقت كانت السلطة السابقة تتكبّد خسارات متتالية على الأرض من حلب وصولًا إلى حماة، وتلقى الضابط ورفاقه راتب شهر مسبق قبل أن يتفرّق شملهم ويعودوا مذهولين إلى منازلهم، وبعد يومين، انهار الحكم فجر الثامن من ديسمبر، وفرّ الأسد إلى روسيا.
انسحاب شامل
في رواية متقاطعة، قال موظفان سوريان سابقان في القسم القنصلي في السفارة الإيرانية في دمشق، إن القنصلية أُخليت بالكامل مساء الخامس من ديسمبر 2024، وغادرت البعثة الدبلوماسية البلاد متجهة إلى بيروت، بينما أُبلغ الموظفون السوريون بـ”ملازمة منازلهم”، وصُرفت لهم رواتب ثلاثة أشهر مقدما، وذكر موظف لم يكشف عن هويته أن عددًا من زملائه السوريين الذين “يحملون جنسية إيرانية” غادروا معهم ليلا وبرفقتهم ضباط كبار من الحرس الثوري الإيراني، وكانت مكاتب السفارة والقسم القنصلي وجميع المراكز الأمنية الإيرانية خالية تمامًا في اليوم التالي، وتشير شهادات سائقين وموظفين على الحدود السورية اللبنانية في تلك الفترة إلى ازدحام غير مسبوق شهدته معبر جديدة يابوس – المصنع يومي الخميس والجمعة، إذ تطلب العبور انتظار ثماني ساعات.
انسحاب القوات الإيرانية من حلب
وشكّلت غرفة عمليات رئيسية للقوات الإيرانية جنوب مدينة حلب داخل قاعدة عسكرية، حيث يقول عنها العقيد محمد ديبو من وزارة الدفاع السورية لفرانس برس: “بعدما سقطت حلب، لم تقاتل إيران في مكان آخر”، مضيفًا “اضطرت للانسحاب بشكل مفاجئ بعد الانهيار السريع”، وشكّل القسم الغربي من حلب مركز ثقل للقوات الإيرانية وقواعدها العسكرية والقوات التابعة لها مثل حزب الله اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى ريف حلب الجنوبي وبلدتي نبل والزهراء ومطار النيرب العسكري في شرق المدينة، وأكدت تقارير نشرتها وسائل إعلام إيرانية في نهاية نوفمبر 2024 مقتل عناصر من القوات الإيرانية في حلب، بينهم مستشار عسكري بارز هو سردار بور هاشمي، دُفن في طهران بحضور عدد كبير من مسؤولي الحرس الثوري، وأوضح ديبو “عندما دخلنا مقراتهم (في حلب) وجدنا وثائق شخصية من جوازات سفر وهويات تابعة لضباط إيرانيين، لم يكن لديهم الوقت لسحبها”، وأكد ديبو الذي رافق الفصائل المقاتلة المعارضة من إدلب وصولًا إلى دمشق أنه بعد السيطرة على حلب “أُجلي قرابة 4000 مقاتل إيراني عن طريق قاعدة حميميم” الروسية التي كانوا لجأوا إليها، بينما فرّ آخرون باتجاه لبنان والعراق.
الانسحاب العسكري لحزب الله
ويتقاطع ذلك مع ما يرويه الضابط السوري الذي رفض الكشف عن هويته، الذي يقول إن “قائدًا إيرانيًا معروفًا باسم الحاج جواد، أُجلي” في الخامس من ديسمبر 2024 “برفقة عدد من المقاتلين والضباط الإيرانيين عبر قاعدة حميميم” إلى طهران، وكان مصدر ميداني في حزب الله قال لفرانس برس فجر الثامن من ديسمبر، إن “الحزب أوعز لمقاتليه” بالانسحاب من مواقعهم في محيط حمص (وسط) وفي محيط دمشق، وتمركزت المجموعات الموالية لطهران في مواقع حساسة داخل دمشق وريفها، لا سيما في المزة ومقام السيدة زينب ومحيط مطار دمشق، إضافة إلى نقاط في المناطق الحدودية مع لبنان ومع العراق، وأشرفت على عمليات عسكرية وتدريب وتنسيق مباشر مع قوات الحكم السابق، ومع تفاقم النزاع، وتراجع قدرات الجيش السوري خلال سنوات الحرب، توسّع النفوذ الإيراني ليشمل مراكز أمنية ومستودعات أسلحة وقواعد مشتركة مع الجيش استهدفتها خلال السنوات الماضية مئات الغارات الجوية الإسرائيلية، وفي المقابل، كانت إسرائيل تؤكد رفضها تجذّر قوات موالية لطهران قرب حدودها.
