لاجئون سودانيون في القاهرة، في 28 يوليو 2025 (Getty)
عبر نحو 1.5 مليون سوداني إلى مصر منذ اندلاع الحرب، إلا أنهم واجهوا حملة قمع متصاعدة، أكدت عليها منظمة “ذا نيو هيومانيتاريان” و”منصة اللاجئين في مصر”، حيث وثقتا أكثر من 850 حالة ترحيل، معظمها لسودانيين، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، وأشارت المنظمتان في تقريرهما يوم الأحد، إلى أن هذا الرقم يمثل جزءًا صغيرًا من أكثر من 20 ألف لاجئ سوداني رُحلوا على الأرجح العام الماضي، كما وثق أرشيف قضايا “منصة اللاجئين في مصر” احتجاز 687 طالب لجوء سوداني بين إبريل/نيسان وأغسطس/آب في ثلاث مناطق رئيسية، بالإضافة إلى 1560 آخرين احتُجزوا ورُحّلوا منذ أغسطس/آب.
عمليات ترحيل واسعة النطاق
وفي شهادة ص shocking، صرح مسؤول أمني مصري بأن أكثر من 2000 سوداني يُنقلون أسبوعيًا من مراكز الشرطة في القاهرة إلى أسوان القريبة من الحدود السودانية، بينما يواجه اللاجئون صعوبات كبيرة في الحصول على تصاريح الإقامة، حيث تم تأجيل بعض مواعيد التسجيل الحكومية إلى عام 2029، بحسب التقرير.
القيود على التعليم والمجتمع
على صعيد التعليم، أصدرت السلطات المصرية أوامر بإغلاق ما لا يقل عن 46 مدرسة تابعة للمجتمع السوداني العام الماضي، ووفقا لوثيقة داخلية، قامت وزارة الداخلية المصرية بترحيل ما يقرب من 200 سوداني، بينهم نساء وأطفال، من مطروح في يوم واحد في سبتمبر/أيلول، وفقًا للتقرير.
تصعيد غير مسبوق
تقرير المنظمتين، والذي يعد جزءًا من تحقيق مُتابِع، صدر في إبريل/نيسان 2024، كشف عن تصعيد عمليات الترحيل غير القانونية على نطاق واسع للاجئين السودانيين الفارين من الحرب، وقد قامت الحكومة المصرية بذلك باستخدام شبكة من مواقع الاحتجاز السرية، واشتدت حملة الترحيل وامتدت إلى المدن المصرية، في ظل الانتقادات المتزايدة تجاه رد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي يُعتبر محدودًا وصامتًا، وفقًا لرؤية المنظمتين.
تشديد القيود القانونية
أكدت المنظمتان أن وتيرة ترحيل اللاجئين السودانيين تسارعت خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، مما زاد من حالة القمع، التي كشفت عنها التحقيقات المشتركة السابقة. وكشفت البيانات أن عمليات الترحيل غير القانونية الواسعة النطاق لآلاف السودانيين كانت تجري سرًا، مما يعد انتهاكًا لاتفاقيات اللاجئين الدولية التي صدقت عليها مصر.
وثائق مسربة وشهادات
وقد وثقت المنظمتان وثائق مسرّبة وشهادات تشير إلى تصعيد إضافي في حملة الترحيل، فضلًا عن احتجاز وترحيل عدد أكبر بكثير من اللاجئين السودانيين، حيث نفذت الأجهزة الأمنية عمليات تمشيط وتوقيف في المناطق الحدودية وأيضًا في أعماق المدن الكبرى، واستهدفت السلطات المبادرات التي قادها اللاجئون، بما فيها إغلاق عشرات المدارس التي أدارها سودانيون.
شراكة مع الاتحاد الأوروبي
في سياق متصل، تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم مبالغ كبيرة إلى مصر مقابل كبح الهجرة نحو أوروبا، في اتفاق اعتبره النقاد خطرا يجعله شريكاً في الانتهاكات التي ترتكبها الحكومة المصرية، حيث تتلقى المفوضية تمويلًا كبيرًا من الحكومات الأوروبية، مما يُعتبر ضغطًا سياسيًا لتجنب انتقاد مصر علنًا بشأن عمليات الترحيل.
تدهور أوضاع اللاجئين
قبل الحرب الحالية، كان السودانيون وغيرهم من اللاجئين في مصر يواجهون عمليات ترحيل وانتهاكات أخرى، وقد بدأت هذه العمليات في الارتفاع في أواخر عام 2023، ثم تسارعت بعد اعتماد أول قانون وطني للجوء في مصر العام الماضي، حيث قدم هذا القانون صلاحيات واسعة للسلطات لإلغاء الحماية الممنوحة للاجئين.
الوضع الراهن للاجئين
وصف أحد نشطاء حقوق الإنسان المصريين حجم عمليات الترحيل بأنه “غير مسبوق” في تاريخ مصر الحديث، وأفاد معظم اللاجئين الذين تحدثوا مع المنظمتين بأنهم احتُجزوا ورُحّلوا لعدم حصولهم على تصريح إقامة ساري المفعول، وهو شرط صعب الاستيفاء نظرًا للتراكم الكبير في طلبات التسجيل الحكومية، التي تم تأجيل بعض مواعيدها إلى عام 2029، ورغم حيازة بعض اللاجئين لوثائق المفوضية، تعرضوا للاحتجاز والترحيل، وذكر البعض حالات تم فيها مصادرة بطاقاتهم عند احتجازهم.
جهود ترحيل منهجية
وثيقة حكومية أمرت بترحيل ستة لاجئين، منهم أربعة مسجلون لدى المفوضية، كما أمرت السلطات بمصادرة بطاقات المفوضية، والتأكد من توقيع اللاجئين على إقرارات تؤكد مغادرتهم “طوعًا”، ورأى محامٍ يعمل على قضايا الترحيل أن هذا يمثل “جهدًا منهجيًا لإلغاء الحماية القانونية الممنوحة لهم”.
النزوح إلى ليبيا
تدهور الأوضاع بالنسبة للاجئين دفع السودانيين إلى الانتقال إلى ليبيا، حيث شهد عدد الذين واصلوا رحلتهم إلى أوروبا ارتفاعًا كبيرًا في الأشهر الأولى من عام 2025، واعتُقل مئات السودانيين الذين حاولوا الوصول إلى ليبيا، حيث وصف المعتقلون مرورهم بتجارب اكتظاظ شديدة واحتجازهم لشهور دون محاكمة عادلة، ثم ترحيلهم في النهاية إلى السودان، وفقًا لوثيقة داخلية من وزارة الداخلية المصرية عن ترحيل ما يقرب من 200 سوداني، بينهم نساء وأطفال، من مطروح في يوم واحد في سبتمبر/أيلول.
حملة القمع في المدن الرئيسية
امتدت عملية القمع إلى المدن، حيث حدثت عمليات احتجاز عند نقاط التفتيش ومحطات المترو، وتم اعتقال وترحيل صبي سوداني يبلغ من العمر 17 عامًا كان مسجلاً لدى المفوضية ويعيش في الجيزة في يناير/كانون الثاني، مما أدى إلى فصله عن والديه، وفي حادثة أخرى، تم احتجاز وترحيل صبي سوداني يبلغ من العمر 15 عامًا، كان يعيش في مصر منذ طفولته، حيث رُحِّل مع مجموعة من الطلاب إلى دولة جنوب السودان.
استهداف مؤسسات اللاجئين
استهدفت السلطات أيضًا مؤسسات اللاجئين السودانيين، حيث أُغلقت ما لا يقل عن 46 مدرسة تابعة للمجتمع السوداني العام الماضي، وقد أبلغ قادة مجتمعات اللاجئين عن استهداف متزايد من قبل أجهزة الأمن، والضغط عليهم للإبلاغ عن زملائهم تحت تهديد الاحتجاز أو الترحيل، ووثق أحد القادة أنه تعرض للاعتقال وهددت السلطات بترحيله إذا لم يقم بالإبلاغ عن مجتمعه.
انتقادات للمفوضية السامية للاجئين
واجهت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين انتقادات حادة بسبب ردها على عمليات الترحيل، إذ تمنع السلطات المصرية المفوضية من الوصول إلى مراكز الاحتجاز، ما يجعلها “عمياء فعليًا”، وقدرتها على التدخل شبه معدومة، وقد وصف مدير إحدى المنظمات المدافعة عن اللاجئين بيانات المفوضية بشأن العودة القسرية بأنها “ضعيفة للغاية”.
اختراق الأجهزة الأمنية للمفوضية
في ظل وجود واضح للمفوضية محدود على الحدود وتأخير التسجيل، باتت هناك “سوق سوداء” للحصول على مواعيد مبكرة، حيث حصل بعض المتقدمين في عامي 2024 و2025 على مواعيد تمتد إلى عام 2026، وقد وصف موظف سابق في المفوضية مشاعر الإحباط المتزايدة، متسائلاً عن جدوى وجوده.
عدم قيام المفوضية بواجبها
ذُكر أن أداء المفوضية في حماية اللاجئين لم يكن جيدًا، حتى مع الأخذ في الاعتبار القيود، حيث ظل النظام غامضًا وآليات الحماية بلا فائدة، ويشير منصور، الذي كان يدير مدرسة الجالية السودانية، إلى تأخر رد المفوضية على رسالة أرسلتها عائلته بعد احتجازه، مما يعني أن إجراءات ترحيله كانت قد أُعدت بالفعل دون أن يتمكن من رؤية محامٍ.
التسلل الأمني إلى المفوضية
وزعم موظف حالي رفيع المستوى في المفوضية أن أجهزة الأمن قد تسللت إلى الوكالة، حيث حثّ بعض الزملاء الآخرين على إسقاط تقارير عن حالات احتجاز، أو منعوا شكاوى حسّاسة تتعلق بانتهاكات حكومية، وقد عبّر لاجئون ونشطاء آخرون عن قلقهم من اختراق عمليات المفوضية من قبل الأجهزة الأمنية، مستشهدين بحالات تم فيها احتجاز لاجئين بعد وقت قصير من زيارتهم لمكاتب المفوضية.
صمت المفوضية
اتهمت مصادر عدة المفوضية بعدم انتقاد عمليات الترحيل علنًا أو مواجهة الحكومة المصرية، ورأى البعض أن صمتها يُعتبر شراكة في الجرائم، فقد أشار محامٍ إلى أن المفوضية، “بالتزامها الصمت تجاه الانتهاكات الواضحة لقانون اللجوء، لا تهمل ولايتها فحسب، بل تصبح شريكة في الجريمة”، ولم يجد تحليل أجراه صحافيون أي إشارة إلى عمليات الترحيل في البيانات العامة الصادرة عن المفوضية في مصر على مدى العامين الماضيين.
